المعنى ، مما فيه الدلالة الصريحة على شيوع هذا التعبير في كلام العرب
واستعمال القرآن له .
قال ابن هشام في المغني في القاعدة السادسة : " إنهم يعبرون عن
الماضي والآتي كما يعبرون عن الشئ الحاضر قصدا لإحضاره في الذهن حتى
كأنه مشاهد حالة الأخبار نحو : ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ) لأن
لام الابتداء للحال ، ونحو : ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) إذ ليس المراد
تقريب الرجلين من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما تقول : هذا كتابك فخذه ، وإنما
الإشارة كانت إليهما في ذلك الوقت هكذا فحكيت ، ومثله : ( والله الذي
أرسل الرياح فتثير سحابا ) قصد بقوله سبحانه وتعالى : ( فتثير ) إحضار
تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب ، تبدو أولا
قطعا ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى تصير ركاما ، ومنه : ( ثم قال له كن
فيكون ) أي فكان ، ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير
أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) ، و ( ونريد أن نمن على الذي استضعفوا في
الأرض - إلى قوله - ونري فرعون وهامان ) " ( 1 ) .
وقال السعد التفتزاني في شرح التلخيص ( المطول ) : " ولو ترى إذ وقفوا
على النار ) ، الخطاب لمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو لكل من يتأتي منه الرؤية ، وكذلك قوله
تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) ( ولو ترى إذ المجرمون
ناكسوا رؤوسهم ) لتنزيل المضارع منزلة الماضي ، بصدوره أي المضارع أو
الكلام عمن لا خلاف في إخباره ، فالمستقبل الذي أخبر عنه بوقوعه بمنزلة
الماضي المتحقق ، أو لاستحضار الصورة يعني صورة رؤية الكافرين قائلين :
( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ) وكذا صورة الظالمين موقوفين عند ربهم
والمجرمين ناكسي رؤوسهم متقاولين بتلك المقاولات ، كما قال الله تعالى :
( فتثير سحابا ) بلفظ المضارع بعد قوله تعالى : ( الذي أرسل الرياح )
استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة " .
هامش
( 1 ) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، الإمام عبد الله بن هشام الأنصاري ، دار إحياء التراث العربي ، ج 2 ،
ص 690 .