وبذلك ننتهي إلى أنّ الآية هي في صدد الإشارة بصفة ممدوحة مهمّة في المؤمنين وهي عدم الاستبداد بالرأي ، واعتماد العقل المجموعي في استخراج الرأي الصائب وفتح الأفق أمام الخبرات في استعلام جودة الفكر والرأي ، وأمّا أين هي منطقة السلطة الجماعية وأين هي منطقة السلطة الفردية ومَن هو ومَن هم ، فذلك يتمّ استكشافه من مبدأ السلطات وهو الله تعالى ومن ثمّ رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه المعصومين ، بالوقوف على حدود نصوص الجعل والتنصيب كما ذكرنا لذلك مثالاً في النائب العام والقاضي والمفتي .
والمهم التركيز على هذه الجهة في الآية أنّ مادة الشورى هي لاستطلاع الرأي الصائب والمداولة مع بقية العقول ، وفرق بين استطلاع رأي الآخرين وبين جمع إرادة الآخرين ، فالأول هو موازنة بين الأفكار والآراء من المستطلع والمستشير ، والثاني سلطة جماعية ، فلا يمكن اغفال التباين الماهوي بين الفكر والإرادة ، وإنّ الشركة في الأول لا تعني الشركة في الثاني بتاتاً .
فالتوصية في الآية هي في اعتماد التلاقح الفكري في إعداد الفكرة ، أمّا مرحلة البتّ والعزم والإرادة فلا نظر إليها من قريب ولا من بعيد ، ومجرّد إضافة الأمر إلى ضمير الجماعة لا يعني كونها في المقام الثاني ، بعد كون مادة المشورة صريحة في المقام الأول .
بل غاية ذلك هي أهمية اعتماد المفاوضة في استصواب الرأي في الموضوعات التي تخص وتتتعلّق بمجموعهم ، هذا لو جمدنا على استظهار الموضوع المتعلّق بالمجموع من لفظة ( أمرهم ) ، ولم نستظهر معنى الشأن من الأمر - كما استظهره كثير من المفسرين - أي بمعنى شأنهم وعادتهم ودأبهم على عدم الاستبداد بالرأي واعتماد طريقة الاستعانة بالمستشارين .
ونكتة الإضافة إلى ضمير الجماعة هي وحدة سوق الأفعال في الآيات كما في " أقيموا الصلاة " " ومما رزقناهم ينفقون " " ويجتنبون كبائر الاثم " ، وأمّا لفظة " بينهم "
أسس النظام السياسي عند الإمامية — صفحة 346
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٣٤٦