يأتي الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ويخترق الصفوف ويقول : السلام عليك يا جداه ! وهذا يعني شرعيتي في الحكم أكثر من شرعية هارون الرشيد العباسي . أيضاً في تلك السنة يحجّ هارون العباسي فيطوف الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أمامه ثمّ يأتي هارون ليصلي في مقام إبراهيم ( عليه السلام ) فيصلي الامام أمامه ، هذا نوع من المعارضة وإبداء العصيان المدني نشاهده في الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أكثر منه في سائر الأئمة الباقين .
إنّ أئمتنا ( عليهم السلام ) رفضوا أن يتسلّموا أيّ منصب . هذا حالة عصيان صارخ في هذه النافذة من عملهم ومن الواضح أنّها إدانة صارخة وبيّنة ، رفضوا أيّ تسلّم قضاء وأيّ شرعنة فتوى لخطوة قام بها الحاكم .
ونشاهد هذا في سيرة علماء الشيعة ، فإنّ كثيراً منهم وإن رفضوا الثورات الساخنة أو المسلّحة ، لكنه يأبى أيّ تولّي منصب أو ربما يسمح لآخرين ولكنه يرفضها لنفسه ، لأنّه يجد في خروجه عن الدولة الرسمية نوع إدانة دائمة يهددها كما حدث ذلك للسيد البروجردي والشيخ عبد الكريم الحائري أو الآخوند الخراساني أو الميرزا الشيرازي صاحب فتوى التنباكو . إذن ليس حالة إرخاء دائماً بل شدّ وإرخاء ، وهي كموازنة سياسية ومعادلة سياسية يجب أن تتخذ أدواراً مختلفة .
الضابطة كلّ الضابطة هي أنّه يجب أن لا نفرط في حدّ من الحدود الإلهية تحت طائلة أنّه إقامة الحكم . ويجب أن لا نتقوقع في نافذة وشكل وفي زىّ وأطروحة وفي إطار سياسي خاص ونقول هو هذا ولا غير . فالآليّات في العمل لا تنحصر بطريقة وبجهة معيّنة ، بل الإنسان دائماً يكون مرناً لا بمعنى إنّه يفرط بالحدود ، بل مرونته لئلاّ يفرط في الحدود ولئلاّ يتكاسل ويتقاعس ، بل بالعكس إذا حبس وَقَوْقَعَ الإنسان نفسه في شاكلة معيّنة من العمل السياسي لا يستطيع أن يثير تغييراً وحيوية في المسار وقد يفقد المبادرة في التغيير الإصلاحي ; يكون هذا هو الجمود .
أسس النظام السياسي عند الإمامية — صفحة 225
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٢٢٥