سبقت الشائعات خطوات ابن الخطَّاب ذلك النهار ، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة ، وفي باله أن يحمل ابن عمِّ رسول اللّه - إن طوعاً وإن كرهاً - على إقرار ما أباه حتى الآن ، وتحدَّث أناس بأنّ السيف سيكون وحده
متن الطاعة ، وتحدّث آخرون بأنَّ السيف سوف يلقى السيف ! )
ثمَّ تحدَّث غير هؤلاء وهؤلاء بأن النار هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى الرضا والإقرار ! . .
وهل على ألسنة الناس عقالٌ يمنعها أن تروي قصَّة حطب أمر به ابن الخطّاب ، فأحاط بدار فاطمة ، وفيها عليٌّ وصحبه ، ليكون عدة الإقناع أو عدة الايقاع ؟ )
على أنَّ هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبَّرة أو المرتجلة كانت كمثل الزبد ، أسرع إلى ذهابٍ ، ومعها دُفعة ابن الخطّاب ! ( أقبل الرجل ، محنقاً مندلع الثورة ، على دار عليٍّ وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم ، فاقتحموها أو
أوشكوا على اقتحام ، فإذا وجه كوجه رسول اللّه يبدو بالباب حائلاً من حزن ، على قسماته خطوط آلام ، وفي عينيه لمعات دمع ، وفوق جبينه عبسة غضب فائر وحنق ثائر )
وتوقّف عمر من خشية وراحت دفعته شعاعاً ، وتوقَّف خلفه - أمام الباب - صحبه الذين جاء بهم ، إذ رأوا حيالهم صورة الرسول تطالعهم من خلال وجه حبيبته الزهراء ، وغضّوا الأبصار من خزي أو من استحياء ، ثمَّ ولَّت عنهم عزمات القلوب
وهم يشهدون فاطمة تتحرَّك كالخيال ، وئيداً وئيداً بخطوات المحزونة الثكلى ، فتقترب من ناحية قبر أبيها ( وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها ، وهي ترفع صوتها الرقيق الحزين النبرات ، تهتف بمحمَّد الثاوي بقربها ، تناديه
باكيةً مريرة البكاء : يا أبت رسول اللّه ! ( يا أبت رسول اللّه ! )
فكأنَّما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي ، من رهبة النداء )
من مناظرات النت — صفحة 90
مساهمون: علي السيد
ص٩٠