لان النفس لو أدركت كل بغية . وأوفت على كل غاية ، وفتحت كل
مستغلق ، واستثارت كل دفين ، ثم لم يطعها اللسان بحسن العبارة ،
واليد بحسن الكتابة ، كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره وعظم
خطره - [ وعدمه ( 1 ) ] سواء .
فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة . وكذلك القلب
والجارحة ، وإنما العامة جنة للدفع ، وسلاح للقطع ، وكالترس للرامي ،
والفأس للنجار . وليس مضى ( 2 ) سيف صارم بكف امرئ صارم بأمضى
من شجاع أطاع أميره وقلد إمامه ! وما كلب أشلاه ربه وأحمشه كلابه ،
بأفرط تنزقا ( 3 ) ولا أسرع تقدما ، ولا أشد تهورا ، من جندي أغراه
طمعه ، وصاح به قائده .
وليس في الأعمال أقل من الاختيار ، ولا في الاختيار أقل من
الصواب ، فلباب كل عمل اختياره ، وصفوة كل اختيار صوابه ، ومع
كثرة الاختيار يكثر الصواب . فأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا ،
وأكثرهم أسبابا موجبة أقلهم اختيارا ، وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا .
فإن قالوا : فقد ينبغي للعوام ألا يكونوا مأمورين ولا منهيين ،
ولا عاصين ولا مطيعين .
قيل لهم : أما فيما يعرفون فقد يطيعون ويعصون .
فإن قالوا : فما الامر الذي يعرفون من الامر الذي يجهلون ؟
هامش
( 1 ) التكملة من ب .
( 2 ) في الأصل : " يمضى " صوابه في ب .
( 3 ) ب : " نزقا " .