ثم رجع إلى الحديث . وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به
من أن يكون حجة لان فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع
وأنه الأصل للحديث ، فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن سماع
فيكون واجب الرد ، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة
والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا ، أو يكون ذلك منه عن غفلة
ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره ، أو يكون ذلك منه على أنه علم
انتساخ حكم الحديث ، وهذا أحسن الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله ،
فإنه روى على طريق إبقاء الاسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى بخلافه ، أو عمل بالناسخ
دون المنسوخ ، وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء على غفلة أو نسيان يتوهم
أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار التعارض بينهما ينقطع الاتصال . وبيان
هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال : يغسل الاناء
من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا على أنه كان
علم انتساخ هذا الحكم ، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله عليه السلام الندب
فيما وراء الثلاثة . وقال عمر رضي الله عنه : متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه
السلام وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحج . فإنما يحمل
هذا على علمه بالانتساخ ، ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة
وهم الذين نهوا عنها ، وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة .
وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها : ( أيما امرأة نكحت
بغير إذن وليها ) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله
عنهما ، فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي
عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع ، ثم قد صح
عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح
فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم .
وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون
الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا يكون
أصول السرخسي — صفحة 6
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٦