وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وذلك نوعان : مبهم ،
ومفسر . ثم المفسر نوعان : ما لا يصلح أن يكون طعنا ، وما يصلح أن يكون . والذي
يصلح نوعان : مجتهد فيه ، أو متفق عليه . والمتفق عليه نوعان : أن يكون ممن هو
مشهور بالنصيحة والاتقان ، أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة . فأما الطعن
المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا ، لان العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل
مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة ، فلا يترك ذلك بطعن مبهم ، ألا ترى أن
الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا . ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا
فكذلك من المزكي ، ولا يمتنع العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم ، فلان لا يخرج
الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى . وهذا للعادة الظاهرة أن الانسان
إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه
طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ، ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل .
والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا ، وذلك مثل طعن بعض
المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك .
وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الاتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية
إلا عن حفظ ، والانسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ، ففعل ذلك ليقابل حفظه
بكتب أستاذه فيزداد به معنى الاتقان . وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول
حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا ،
لان هذا يوهم الارسال ، وإذا كان حقيقة الارسال دليل زيادة الاتقان على ما بينا
فما يوهم الارسال كيف يكون طعنا .
ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه ، نحو
رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة ،
ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير ، فإن هذا محمول على أحسن الوجوه
وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي وصيانة السامع من أن
أصول السرخسي — صفحة 9
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٩