كان في الأصل مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه . وكذلك خمس المعادن
فإن الموجود ما كان لأحد فيه حق ، فجعل الشرع أربعة أخماسه للواجد وبقي
الخمس لله مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه ، ولهذا جاز وضع خمس الغنيمة
فيمن هو من جملة الغانمين عند حاجتهم ، وفي آبائهم وأولادهم ، وجاز وضع
خمس المعدن في الواجد عند الحاجة ، فعرفنا أنه ليس بواجب عليه بل هو
حق الله تعالى قائم كما كان ، ولهذا جاز صرفه إلى بني هاشم ، لان باعتبار
هذا المعنى لا يتمكن فيه معنى الأوساخ بخلاف الصدقات ، وأمر الله بصرف
البعض منه إلى ذوي القربى ، وكان ذلك عندنا باعتبار النصرة المخصوصة التي
تحققت منهم بالانضمام إلى رسول الله ( ص ) في حال ما هجره
الناس ، ودخول الشعب معه لمؤانسته والقيام بنصرته ، فإن ذلك كان
فعلا من جنس القربة ، فيجوز أن يتعلق به استحقاق ما هو صلة ومنة
من الله تعالى كاستحقاق أربعة الأخماس ، فأما القرابة خلقة لا تستحق
بذاتها مال الله تعالى ، ثم صيانة قرابة رسول الله ( ص ) عن
استحقاق عوض مالي بمقابلتها أولى من إثبات الاستحقاق بسبب القرابة .
ولا يجوز جعل القرابة قرينة للنصرة أو النصرة قرينة للقرابة ، لما بينا أن
الترجيح إنما يكون بما لا يصلح علة بانفرادها للاستحقاق دون ما يصلح لذلك .
وعلى هذا الأصل استحقاق المصاب من الغنيمة وتمامه يكون بالاحراز بالدار
بعد الاخذ . والمسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها إذا تأملت ، وذلك معلوم
فيما أملينا من فروع الفقه .
فأما العقوبات المحضة فهي الحدود التي شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها
المحظورة حقا لله تعالى خالصا ، نحو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر .
أما العقوبة القاصرة فنحو حرمان الميراث بسبب مباشرة القتل المحظور ،
فإنها عقوبة ولكنها قاصرة حتى تثبت في حق الخاطئ والنائم إذا انقلب
أصول السرخسي — صفحة 294
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٩٤