وجه الله ، ووجه الله لا جهة له ، فجعل الشرع استقبال جهة الكعبة قائما مقام ما هو
المطلوب لأداء هذه القربة . وأصل الايمان فيه تقرب إلى الله تعالى بلا واسطة ،
وفي الصلاة تقرب بواسطة البيت فكانت من شرائع الايمان لا من نفس الايمان .
ثم الزكاة التي تؤدي بأحد نوعي النعمة وهو المال ، فالنعم الدنيوية
نعمتان : نعمة البدن ، ونعمة المال ، والعبادات مشروعة لاظهار شكر
النعمة بها في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة ، فكما أن شكر نعمة البدن
بعبادة تؤدي بجميع البدن وهي الصلاة ، فشكر نعمة المال بعبادة مؤداة
بجنس تلك النعمة ، وإنما صار الأداء قربة بواسطة المصروف إليه وهو
المحتاج ، على معنى أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصا لله تعالى في ضمن
صرفه إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى ، لهذا كان دون الصلاة
بدرجة ، فإنها قربة بواسطة البيت الذي ليس من أهل الاستحقاق بذاته ،
وهذا قربة بواسطة الفقير الذي هو من أهل أن يكون مستحقا بنفسه لحاجته .
ثم الصوم الذي هو من جنس المشروع شكرا لنعمة البدن ، ولكنه
دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن ،
بل يتأدى بركن واحد وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين : شهوة البطن
وشهوة الفرج ، فإنما صارت قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل اللذات
والشهوات ، فهي أمارة بالسوء كما وصفها الله تعالى به ، ففي قهرها بالكف
عن اقتضاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تعالى معنى القربة ، وبالتأمل في هذه
الوسيلة يتبين أنه دون ما سبق .
ثم الحج الذي هو زيارة البيت المعظم ، وعبادة بطريق الهجرة يشتمل
على أركان تختص بأوقات وأمكنة ، وفيها معنى القربة باعتبار معنى التعظيم
لتلك الأوقات والأمكنة .
فأما العمرة فإنها سنة قوية باعتبار أن أركانها من جنس أركان الحج ،
وما بينا من الوسيلة لا يوجب عددا من القربة ولهذا لا تتكرر فرضية
أصول السرخسي — صفحة 291
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٩١