وأما ما يجتمع فيه الحقان وحق العباد أغلب فنحو القصاص ، فإن فيها
حق الله تعالى ، ولهذا يسقط بالشبهات ، وهي جزاء الفعل في الأصل ، وأجزية
الافعال تجب لحق الله تعالى ، ولكن لما كان وجوبها بطريق المماثلة عرفنا أن معنى
حق العبد راجح فيها ، وأن وجوبها للجيران بحسب الامكان كما وقعت الإشارة
إليه في قوله تعالى : * ( ولكم في القصاص حياة ) * ولهذا جرى فيه الإرث والعفو
والاعتياض بطريق الصلح بالمال كما في حقوق العباد .
وأما ما يكون محض حق العباد فهو أكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية
وبدل المتلف والمغصوب وما أشبه ذلك .
وهذه الحقوق كلها تشتمل على أصل وخلف . فالأصل فيما ثبت به الايمان
التصديق والاقرار ، ثم قد يكون الاقرار مستندا في حق المكره على أنه قائم مقام
التصديق ، ثم التصديق والاقرار من الأبوين يثبت الايمان في حق الولد
الصغير على أنه خلف عن التصديق والاقرار في حقه ، ثم تبعية الدار في
حق الذي سبى صغيرا وأخرج إلى دار الاسلام وحده حلف عن تبعية الأبوين
في ثبوت حكم الايمان له ، ثم تبعية السابي إذا قسم أو بيع من مسلم في دار
الحرب خلف عن تبعية الدار في ثبوت حكم الايمان له حتى إذا مات يصلى
عليه . وكذلك في شرائط الصلاة ، فإن من شرائطها الطهارة ، والأصل فيه
الوضوء أو الاغتسال ، ثم التيمم يكون خلفا عن الأصل في حصول الطهارة التي
هي شرط الصلاة به كما قال تعالى : * ( ولكن يريد ليطهركم ) * وهو خلف مطلق
في قول علمائنا رحمهم الله . وعند الشافعي رحمه الله هو خلف ضروري ، ولهذا
لم يعتبر التيمم قبل دخول الوقت في حق أداء الفريضة ، ولم يجوز أداء
الفريضتين بتيمم واحد لأنه خلف ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورة
بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته ، وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة
أخرى ، ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على نفسه لان تحقق
الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه ، وجوز التحري في إناءين أحدهما طاهر
أصول السرخسي — صفحة 297
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٩٧