تلحقه بما هو من نوعه بدليله . وإن قال : لا أعلم ذلك . قلنا : قد اعترفت
بالجهل ، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير
منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا ، وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه
بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ، ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك
على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين ، فعرفنا أن
حاصل كلامه احتجاج بلا دليل .
فصل
ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا وعدما ،
فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ، ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة أداء
الشهادة ، وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون
دليل صحة شهادته . ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض ،
والناظر وإن بالغ في الاجتهاد بالعرض على الأصول المعلومة عنده فالخصم
لا يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض ، فجهلك
به لا يكون حجة لك علي ، فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ، ولكنه
فوق ما تقدم في الاحتجاج به من حيث الظاهر ، لان من حيث الظاهر
الوصف صالح ، ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل ،
ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض والعوارض لم
يصلح أن يكون حجة لاثبات الحكم .
فإن قيل : أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها ، واحتمال ورود
الناسخ لا يمكن شبهة في الاحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك
ما تقدم ؟ قلنا : أما بعد وفاة رسول الله ( ص ) فلا احتمال للنسخ
في كل نص كان حكمه ثابتا عند وفاته ، فأما في حال حياته فهكذا نقول :
إن الاحتجاج به لاثبات الحكم ابتداء صحيح ، فأما لابقاء الحكم أو لنفي
الناسخ لا يكون صحيحا ، لان احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ
فيه كان بصفة واحدة ، وقد قررنا هذا في باب النسخ .
أصول السرخسي — صفحة 227
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٢٧