والقياس المنتقض فاسد لا يجوز العمل به في موضع . ومن حيث المعقول إن
المعلل متى ذكر وصفا صالحا وادعى أن الحكم متعلق بذلك الوصف فيورد
عليه فصل يوجد فيه ذلك الوصف ويكون الحكم بخلافه ، فإنه يحتمل أن
يكون ذلك لفساد في أصل علته ، ويحتمل أن يكون ذلك لمانع منع ثبوت
الحكم ، ألا ترى أن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي ، ثم يمتنع
وجوب الزكاة بعد وجوده لمانع وهو انعدام حصول النماء بمضي الحول ،
ولم يكن ذلك دليل فساد السبب ، والبيع بشرط الخيار يمنع ثبوت الملك به
لمانع وهو الخيار المشروط لا لفساد أصل السبب وهو البيع . فأما إذا قال
هذا الموضع صار مخصوصا من علتي لمانع فقد ادعى شيئا محتملا فيكون مطالبا
بالحجة ، فإن أبرز مانعا صالحا فقد أثبت ما ادعاه بالحجة فيكون ذلك
مقبولا منه وإلا فقد سقط احتجاجه ، لان المحتمل لا يكون حجة ، وبه
فارق المدعي التخصيص في النص ، فإنه لا يطالب بإقامة الدليل على ما يدعي
أنه صار مخصوصا مما استدل به من عموم الكتاب والسنة ، لأنه ليس فيما
استدل به احتمال الفساد ، فكان جهة التخصيص متعينا فيه بالاجماع ،
وهنا في علته احتمال الفساد ، فما لم يتبين دليل الخصوص فيما ادعى أنه
مخصوص من علة لا ينتفي عنه معنى الفساد ، فلهذا لا يقبل منه ما لم يتبين المانع .
ثم جعل القائل الموانع خمسة أقسام : ما يمنع أصل العلة ، وما يمنع تمام
العلة ، وما يمنع ابتداء الحكم ، وما يمنع تمام الحكم ، وما يمنع لزوم الحكم ،
وذلك يتبين كله حسا وحكما ، فمن حيث الحس يتبين هذا كله في الرمي ،
فإن انقطاع الوتر أو انكسار فوق السهم يمنع أصل الفعل الذي هو رمي بعد
تمام قصد الرامي إلى مباشرته ، وإصابة السهم حائطا أو شجرة ترده عن سننه
يمنع تمام العلة بالوصول إلى المرمى ، ودفع المرمي إليه عن نفسه بترس يجعله
أمامه يمنع ابتداء الحكم الذي يكون الرمي لأجله بعد تمام العلة بالوصول إلى
المقصد وذلك الجرح والقتل ، ومداواته الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل وبرأ يمنع
تمام الحكم ، وإذا صار به صاحب فراش ثم تطاول حتى أمن الموت منه يمنع
أصول السرخسي — صفحة 209
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٠٩