طويلة في الحضر والسفر ، فإن أبا هريرة ممن لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته مع
رسول الله ( ص ) حتى قال له : ( زر غبا تزدد حبا ) وكذلك في حسن
حفظه وضبطه ، فقد دعا له رسول الله ( ص ) بذلك على ما روي عنه أنه
قال : يزعمون أن أبا هريرة يكثر الرواية وإني كنت أصحب رسول الله
( ص ) على ملء بطني والأنصار يشتغلون بالقيام على أموالهم والمهاجرون بتجاراتهم ،
فكنت أحضر إذا غابوا ، وقد حضرت مجلسا لرسول الله ( ص ) فقال :
( من يبسط منكم رداءه حتى أفيض فيه مقالتي فيضمها إليه ثم لا ينساها ) فبسطت
بردة كانت علي فأفاض فيها رسول الله ( ص ) مقالته ثم ضممتها إلى صدري
فما نسيت بعد ذلك شيئا . ولكن مع هذا قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنه ومن
بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس ، هذا ابن عباس رضي الله عنهما لما سمعه يروي :
( توضؤوا مما مسته النار ) قال : أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه ،
أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فأدهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه ! فقد رد خبره
بالقياس ، حتى روي أن أبا هريرة قال ( له ) : يا ابن أخي إذا أتاك الحديث
فلا تضرب له الأمثال . ولا يقال إنما رده باعتبار نص آخر عنده ، وهو ما روي أن
النبي عليه السلام أتى بكتف مؤربة فأكلها وصلى ولم يتوضأ ، لأنه لو كان عنده نص
لما تكلم بالقياس ولا أعرض عن أقوى الحجتين ، أو كان سبيله أن يطلب التاريخ
بينهما ليعرف الناسخ من المنسوخ ، أو أن يخصص اللحم من ذلك الخبر بهذا الحديث ،
فحيث اشتغل بالقياس وهو معروف بالفقه والرأي من بين الصحابة على وجه لا يبلغ
درجة أبي هريرة في الفقه ودرجته ، عرفنا أنه استخار التأمل في روايته إذا كان مخالفا
للقياس . ولما سمعه يروي : من حمل جنازة فليتوضأ قال أيلزمنا الوضوء في حمل
عيدان يابسة ؟ ! ولما سمعت عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا
شر الثلاثة . قالت : كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) *
أصول السرخسي — صفحة 340
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٤٠