قال فيمن وطئ جارية امرأته : فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها ، وإن استكرهها
فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه كالمخالف
للكتاب والسنة المشهورة والاجماع . ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم في الراوي
إذا كان فقيها لان ذلك لا يخفى عليه لقوة فقهه ، فالظاهر أنه إنما روى الحديث بالمعنى
عن بصيرة فإنه علم سماعه ( من رسول الله كذلك مخالفا للقياس ولا تهمة في روايته
فكأنا سمعنا ذلك ) من رسول الله ( ص ) فيلزمنا ترك كل قياس
بمقابلته ، ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم ، ألا ترى إلى
ما روي عن عمرو بن ميمون قال : صحبت ابن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا
مرة واحدة ، فإنه قال سمعت رسول الله ( ص ) ثم أخذه البهر والفرق
وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه ، سمعت رسول
الله ( ص ) يقول كذا . فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله
( ص ) من معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم ،
فإذا صحت الرواية عنهم فهو مقدم على القياس . ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا
يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم ، فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي
حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره
وكان درجة أبي هريرة فوق درجته ، فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا
عند الضرورة لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا .
فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول الله
( ص ) إنما عرف بما روي من حديث أو حديثين ، نحو وابصة بن معبد ،
وسلمة بن المحبق ، ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنهم وغيرهم . ورواية هذا
النوع على خمسة أوجه : أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته والرواية عنه ، والثاني
أن يسكتوا عن الطعن فيه بعدما يشتهر ، والثالث أن يختلفوا في الطعن في روايته ،
والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم في ذلك ، والخامس أن لا تظهر
روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم . أما من قبل السلف منه روايته وجوزوا النقل عنه
أصول السرخسي — صفحة 342
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٤٢