لدن رسول الله ( ص ) إلى يومنا هذا ظاهر لا يخفى على واحد منهم
لا يشترطون العدالة فيمن يعاملونه ، وأنهم يعتمدون خبر كل مميز يخبرهم بذلك لما في
اشتراط العدالة فيه من الحرج البين . والفرق بين هذا وبين ما سبق من وجهين :
أحدهما أن الضرورة ( هنا ) تتحقق بالحاجة إلى قبول خبر كل مميز ، لان
الانسان قلما يجد العدل ليبعثه إلى غلامه أو وكيله ، ولا دليل مع السامع سوى هذا
الخبر ولا يتمكن من الرجوع إليه للعمل ، وكذلك المتصرف مع الوكيل فإن أقصى
ما يمكنه أن يرجع إلى الموكل ولعله غاصب غير مالك أيضا ، وللضرورة تأثير في التخفيف
ولا يتحقق مثل هذه الضرورة في الاخبار فيما يرجع إلى أحكام الشرع ، لان
في العدول من الرواة كثرة ويتمكن السامع من الرجوع إلى دليل آخر يعمل به إذا
لم يصح الخبر عنده وهو القياس الصحيح . والثاني وهو أن هذه الأخبار غير ملزمة ،
لان العبد والوكيل يباح لهما الاقدام على التصرف من غير أن يلزمهما ذلك ، واشتراط
العدالة ليترجح جانب الصدق من الخبر ، فيصلح أن يكون ملزما وذلك فيما يتعلق به
اللزوم من أحكام الشرع دون ما لا يتعلق به اللزوم من المعاملات . ثم هذه الحالة حالة
المسالمة ، واشتراط زيادة العدد واللفظ في الشهادة إنما كان باعتبار المنازعة والخصومة
فيسقط اعتبار ذلك عند المسالمة . وعلى هذا بنى المسائل في آخر الاستحسان فقال :
إذا قال : كان هذا العين لي في يد فلان غصبا فأخذتها منه لم يجز للسامع أن يعتمد
خبره لأنه في خبره يشير إلى المنازعة . ولو قال تاب من غصبه فرده على جاز أن يعتمد
خبره إذا وقع في قلبه أنه صادق لأنه يشير إلى المسالمة . وكذلك لو تزوج امرأة فأخبره
مخبر بأنها حرمت عليه بسبب عارض من رضاع أو غيره يجوز له أن يعتمد خبره ويتزوج
أختها . ولو أخبره أنها كانت محرمة عليه عند العقد لم يقبل خبره لأنه ليس في الحرمة
الطارئة معنى المنازعة ، وفي المقارنة للعقد يتحقق ذلك ، فإقدامه على مباشرة العقد
تصريح منه بأنها حلال له . وكذلك المرأة إذا أخبرت بأن الزوج طلقها وهو غائب
يجوز لها أن تعتمد خبر المخبر وتتزوج بعد انقضاء العدة ، بخلاف ما إذا أخبرت
أن العقد كان بينهما باطلا في الأصل بمعنى من المعاني . والمسائل على هذا الأصل كثيرة .
أصول السرخسي — صفحة 336
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٣٦