الله يقول : خبر الواحد فيه لا يكون حجة . وجه القول الأول أن المعتبر في خبر
الواحد ليكون حجة ترجح جانب الصدق وعند ذلك يكون العمل به واجبا فيما
يندرئ بالشبهات وفيما يثبت بالشبهات كما في البينات ، ولو كان مجرد الاحتمال
مانعا للعمل فيما يندرئ بالشبهات لم يجز العمل فيها بالبينة . وكذلك يجوز العمل
فيها بدلالة النص مع بقاء الاحتمال . ووجه القول الآخر أن في اتصال خبر
الواحد بمن يكون قوله حجة موجبة للعلم شبهة ، وما يندرئ بالشبهات لا يجوز إثباته
بما فيه شبهة ، ألا ترى أنه لا يجوز إثباته بالقياس ، وإنما جوزنا إثباته بالشهادات
بالنص وهو قوله تعالى : * ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) * وما كان ثابتا بالنص
بخلاف القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه وخبر الواحد ليس في معنى
الشهادة من كل وجه .
والقسم الثاني : حقوق العباد التي فيها إلزام محض ويشترك فيها أهل الملل ، وهذا
لا يثبت بخبر الواحد إلا بشرط العدد ، وتعيين لفظ الشهادة ، والأهلية ، والولاية
لأنها تبتنى على منازعات متحققة بين الناس بعد التعارض بين الدعوى والانكار ، وإنما
شرعت مرجحة لأحد الجانبين فلا يصلح نفس الخبر مرجحا للخبر إلا باعتبار زيادة
توكيد من لفظ شهادة أو يمين فهما للتوكيد ، ألا ترى أن كلمات اللعان شرع فيها
لفظ الشهادة واليمين للتوكيد ، وزيادة العدد أيضا للتوكيد ، وطمأنينة القلب إلى قول
المثنى أظهر ، إذ الواحد يميل إلى الواحد عادة قلما يتفق الاثنان على الميل إلى الواحد
في حادثة واحدة ، ولان الخصومات إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس ، والمصير إلى
التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فيها ظاهر ، فجعلها الشرع حجة بشرط زيادة
العدد وتعيين لفظ الشهادة تقليلا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع القضاة .
وليس هذا نظير القسم الأول ، فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل للعمل به لا إلى
رفع دليل مانع ، وخبر الواحد باعتبار حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك ، فأما
أصول السرخسي — صفحة 334
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٣٤