تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ولا بإشارته ولا بدلالته ولا بمقتضاه ، لأنه ليس من جملة ما لا يستغنى عنه حتى يكون مقتضيا إياه ، فإثبات النفي به بعد هذا لا يكون إلا إثبات الحكم بلا دليل والاحتجاج بلا حجة وذلك باطل على ما نثبته في بابه إن شاء الله تعالى . ونحن إذا قلنا يثبت بالمطلق حكم الاطلاق وبالمقيد حكم التقييد فقد عملنا بكل دليل بحسب الامكان ، والتفاوت بين العمل بالدليل وبين العمل بلا دليل لا يخفى على كل متأمل . ومن هذا الجنس ما قاله الشافعي رحمه الله : إن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده ، والنهي عن الشئ يكون أمرا بضده ، وقد بينا فساد هذا الكلام فيما سبق . ومن هذه الجملة قول بعض العلماء : إن العام يختص بسببه ، وعندنا هذا على أربعة أوجه : أحدها : أن يكون السبب منقولا مع الحكم نحو ما روي أن النبي ( ص ) سها فسجد ، وأن ماعزا زنى فرجم ، ونحو قوله تعالى : * ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) * وهذا يوجب تخصيص الحكم بالسبب المنقول لأنه لما نقل معه فذلك تنصيص على أنه بمنزلة العلة للحكم المنصوص ، وكما لا يثبت الحكم بدون علية لا يبقى بدون العلة مضافا إليها بل البقاء بدونها يكون مضافا إلى علة أخرى . والثاني : أن لا يكون السبب منقولا ولكن المذكور مما لا يستقل بنفسه ولا يكون مفهوما بدون السبب المعلوم به ، فهذا يتقيد به أيضا نحو قول الرجل أليس لي عندك كذا فيقول بلى ، أو يقول أكان من الامر كذا فيقول نعم أو أجل . فهذه الألفاظ لا تستقل بنفسها مفهومة المعنى فتتقيد بالسؤال المذكور الذي كان سببا لهذا الجواب حتى جعل إقرارا بذلك ، وباعتبار أصل اللغة بلى موضوع للجواب عن صيغة نفي فيه معنى الاستفهام ، كما قال تعالى : * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * ونعم جواب لما هو محض الاستفهام ، قال تعالى : * ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ) * وأجل تصلح لهما . وقد تستعمل بلى ونعم في جواب ما ليس باستفهام على أن يقدر فيه معنى الاستفهام ، أو يكون مستعارا عنه . هذا مذهب أهل اللغة .
أصول السرخسي — صفحة 271 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي