أن القيد المذكور بمنزلة الشرط وأنه يوجب نفي الحكم قبله فيه فلا يوجب ذلك
في غيره ما لم تثبت المماثلة ( بينهما ولا مماثلة ) في المعنى بين أم المرأة وابنتها ، لان
أم المرأة تبرز إلى زوج ابنتها قبل الزفاف عادة ، والربيبة تمنع من ذلك بعد الزفاف
فضلا عما قبله . وكذلك لا مماثلة بين سبب كفارة القتل وبين سائر أسباب الكفارة
فإن القتل بغير حق لا يكون في معنى الجناية كالظهار أو اليمين ، ولا مماثلة في الحكم
أيضا ، فالرقبة عين في كفارة القتل ولا مدخل للاطعام فيها ، والصوم مقدر
بشهرين متتابعين ، وفي الظهار للاطعام مدخل عند العجز عن الصوم ، وفي اليمين
يتخير بين ثلاثة أشياء ويكفي إطعام عشرة مساكين ، وعند العجز يتأدى بصوم
ثلاثة أيام ، فمع انعدام المماثلة في السبب والحكم كيف يجعل ما يدل على نفي الحكم
في كفارة القتل دليلا على النفي في كفارة اليمين والظهار ، وإذا كان هو لا يعتبر
الصوم في كفارة اليمين بالصوم في سائر الكفارات في صفة التتابع لانعدام المماثلة
فكيف يستقيم منه اعتبار الرقبة في كفارة اليمين بالرقبة في كفارة القتل ؟
وما ذكره من العذر باطل ، فالمطلق في كفارة إنما يحمل على المقيد في الكفارة أيضا
وليس في صوم الكفارة مقيد بالتفرق ، فإن صوم المتعة ليس بكفارة بل هو نسك بمنزلة
إراقة الدم الذي كان الصوم خلفا عنه ، ثم هو غير مقيد بالتفرق فإنه وإن فرقه
قبل الرجوع لا يجوز ولكنه مضاف إلى وقت بحرف إذا ، كما قال تعالى : * ( وسبعة
إذا رجعتم ) * والمضاف إلى وقت لا يجوز قبل ذلك الوقت كصوم رمضان قبل شهود
الشهر وصلاة الظهر قبل زوال الشمس . وعندنا شرط التتابع فيه ليس بحمل المطلق
على المقيد بل بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) وقراءته
لا تكون دون خبر يرويه ، وقد كان مشهور إلى عهد أبي حنيفة رحمه الله ، وبالخبر
المشهور تثبت الزيادة على النص على ما نبينه .
فإن قيل : لماذا لم تجعلوا قراءته كنص آخر ثم عملتم بهما جميعا كما فعلتم في صدقة
الفطر حيث أوجبتم الصدقة عن العبد الكافر بالنص المطلق ، وعن العبد المسلم بالنص
المقيد ؟ قلنا : لان الحكم هنا واحد وهو تأدي الكفارة بالصوم فبعدما صار مقيدا
أصول السرخسي — صفحة 269
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٦٩