حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة الاستعمال ، وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات
الناس بينهم .
وحكم الحقيقة وجود ما وضع له أمرا كان أو نهيا خاصا كان أو عاما ، وحكم
المجاز وجود ما استعير لأجله كما هو حكم الحقيقة خاصا كان أو عاما . ومن أصحاب
الشافعي رحمه الله من قال لا عموم للمجاز ، ولهذا قالوا إن قول رسول الله
( ص ) : لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء لا يعارضه حديث ابن
عمر رضي الله عنهما : لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ، ولا الصاع
بالصاعين فإن المراد بالصاع ما يكال به وهو مجاز لا عموم له ، وبالاجماع المطعوم مراد به فيخرج ما سواه
من أن يكون مرادا ، ويترجح قوله عليه السلام : لا تبيعوا الطعام بالطعام لأنه
حقيقة في موضعه فيثبت الحكم به عاما ، واستدلوا لاثبات هذه القاعدة بأن المصير إلى
المجاز لأجل الحاجة والضرورة ، فأما الأصل هو الحقيقة في كل لفظ لأنه موضوع له
في الأصل ، ولهذا لا يعارض المجاز الحقيقة بالاتفاق حتى لا يصير اللفظ في المتردد
بين الحقيقة والمجاز في حكم المشترك ، وهذه الضرورة ترتفع بدون إثبات حكم
العموم للمجاز فكان المجاز في هذا المعنى بمنزلة ما ثبت بطريق الاقتضاء ، فكما
لا تثبت هناك صفة العموم لان الضرورة ترتفع بدونه فكذلك ها هنا .
ولكنا نقول المجاز أحد نوعي الكلام فيكون بمنزلة نوع آخر في احتمال العموم
والخصوص لان العموم للحقيقة ليس باعتبار معنى الحقيقة بل باعتبار دليل آخر دل
عليه ، فإن قولنا رجل اسم لخاص فإذا قرن به الألف واللام وليس هناك معهود
ينصرف إليه بعينه كان للجنس فيكون عاما بهذا الدليل ، وكذا كل نكرة
إذا قرن بها الألف واللام فيما لا معهود فيه يكون عاما بهذا الدليل وقد وجد هذا
الدليل في المجاز ، والمحل الذي استعمل فيه المجاز قابل للعموم فتثبت به صفة العموم
بدليله كما ثبت في الحقيقة ، ولهذا جعلنا قوله : ( ولا الصاع بالصاعين ) عاما ، لان
الصاع نكرة قرن بها الألف واللام ، وما يحويه الصاع محل لصفة العموم ، وهذا
أصول السرخسي — صفحة 171
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧١