لتحقيق معنى الامتحان ، وإظهار فضيلة الراسخين في العلم وتعظيم حرمتهم ، وصرف
القلوب إلى محبتهم ، لحاجتهم إلى الرجوع إليهم ، والاخذ بقولهم والاقتداء بهم .
وبيان ما ذكرنا من معنى المتشابه من مسائل الأصول أن رؤية الله تعالى بالابصار
في الآخرة حق معلوم ثابت بالنص ، وهو قوله تعالى : * ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها
ناظرة ) * ثم هو موجود بصفة الكمال ، وفي كونه مرئيا لنفسه ولغيره معنى الكمال
إلا أن الجهة ممتنع ، فإن الله تعالى لا جهة له فكان متشابها فيما يرجع إلى كيفية
الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتا بالنص معلوما كرامة للمؤمنين ، فإنهم أهل
لهذه الكرامة ، والتشابه فيما يرجع إلى الوصف لا يقدح في العلم بالأصل ولا يبطل ،
وكذلك الوجه واليد على ما نص الله تعالى في القرآن معلوم ، وكيفية ذلك من المتشابه
فلا يبطل به الأصل المعلوم . والمعتزلة - خذلهم الله - لاشتباه الكيفية عليهم أنكروا
الأصل فكانوا معطلة بإنكارهم صفات الله تعالى ، وأهل السنة والجماعة - نصرهم
الله - أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية ،
فلم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله تعالى به الراسخين في العلم فقال :
* ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) * .
فصل : في بيان الحقيقة والمجاز
الحقيقة اسم لكل لفظ هو موضوع في الأصل لشئ معلوم ، مأخوذ من قولك : حق يحق فهو
حق وحاق وحقيق ، ولهذا يسمى أصلا أيضا لأنه أصل فيما هو موضوع
له . والمجاز اسم لكل لفظ هو مستعار لشئ غير ما وضع له ، مفعل من جاز يجوز
سمي مجازا لتعديه عن الموضع الذي وضع في الأصل له إلى غيره ، ومنه قول الرجل
لغيره : حبك إياي مجاز : أي هو باللسان دون القلب الذي هو موضع الحب في الأصل ،
وهذا الوعد منك مجاز : أي القصد منه الترويج دون التحقيق على ما عليه وضع الوعد
في الأصل ، ولهذا يسمى مستعارا ، لان المتكلم به استعاره وبالاستعمال فيما هو مراده
بمنزلة من استعار ثوبا للبس ولبسه ، وكل واحد من النوعين موجود في كلام الله
تعالى وكلام النبي ( ص ) وكلام الناس في الخطب والاشعار وغير ذلك ،
أصول السرخسي — صفحة 170
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧٠