وما يحتمل أن يكون ردعا من أمثال تلكم الآيات الناهية عن التقليد
لا يصلح لاثباته ما دامت صريحة ، أو تكاد في الردع عن رجوع الجاهل
إلى الجاهل وهو أجنبي عن هذه الظاهرة أو هذا البناء .
على أن أمثال آيتي ( النفر ) و ( سؤال أهل الذكر ) بناء على
ظهورها في التقليد والعشرات من الأحاديث التي أمرت بعض أصحاب
الأئمة بالتصدي للافتاء ، أو أرجعت إلى بعضهم للاستفتاء صريحة في إمضاء
هذا البناء ولزوم الاخذ به في الجملة .
وهذه الأدلة - فيما أعتقد - ليست واردة لجعل حكم تأسيسي ما دام
هذا البناء قائما في ذلك العصر ، وإنما هي من أدلة الاقرار له ، فلا حاجة
إلى الدخول في استعراضها ورد ما أثير حول دلالتها من مناقشات .
الغزالي واستدلاله :
نعم ، استدل الغزالي بدليلين لا يرجعان إلى ما ذكرناه من الأدلة لا
بأس بعرضهما وهما :
1 - ( اجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل
درجة الاجتهاد ، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم ( 1 ) ) .
ويرد عليه ان الاجماع بمفهومه الاصطلاحي أي صدور الفتوى عن
الجميع ، لا دليل على إثباته ، ودعوى ثبوته بالتواتر والضرورة مصادرة .
نعم ، إذا أراد أن هذه الظاهرة كانت موجودة بينهم بالضرورة فهو
صحيح ، ولا إشكال فيه ولكنها ليست إجماعا بالمعنى المصطلح .
2 - ( ان الاجماع منعقد على أن العامي مكلف بالاحكام ، وتكليفه طلب
رتبة الاجتهاد محال لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل ، وتتعطل
هامش
( 1 ) المستصفى ، ج 2 ص 124 .