ومنهم من قال : إنه نهي عن ضده معنى ( 1 ) . والَّذي أذهب إليه أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده لفظا ، وأما من جهة المعنى فعلى المذهب الَّذي اخترناه في أن الأمر يقتضي الإيجاب ( 2 ) ، وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوب ذلك الشيء ، يقتضي أن تكون تركه قبيحا وسواء كان له ترك واحد أم تروك كثيرة في أنه يجب أن يكون كلها قبيحة إذا كان الأمر مضيقا . وإن كان الأمر مخيرا فيه بينه وبين ضد له آخر ، دل على أن ما عدا ذلك قبيح من تروكه . وإن لم يكن له إلا ترك واحد ، فيجب القطع على أنه قبيح إذا لم يدل على أنه واجب مثله مخيرا فيهما . إلا أن مع هذا التفصيل أيضا لا يجوز أن يسمى نهيا عن ضده ، لأن النهي من صفات الأقوال دون المعاني ، وليس كل ما علم قبحه سمي منهيا عنه إلا على ضرب من المجاز . والَّذي يدل على صحة ما اخترناه أن أهل اللغة فرقوا بين صيغة الأمر وصيغة النهي فقالوا : صيغة الأمر قول القائل لمن دونه « افعل » ، والنهي قوله : « لا تفعل » وهما يدركان بحاسة السمع ، وليس يسمع من قوله : « افعل » « لا تفعل » ، فلا ينبغي أن يكون نهيا من حيث اللفظ ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمعا معا كما يسمع لو جمع بين اللفظين ، وقد علمنا خلاف ذلك .
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 197
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٩٧
هامش
( 1 ) راجع كلام المصنف واستدلاله على أن الأمر يقتضي الإيجاب صفحة 172 . .
( 2 ) راجع كلام المصنف واستدلاله على أن الأمر يقتضي الإيجاب صفحة 172 . .
وأما الإمامية فقد ذهب الشيخ المفيد - رحمه الله - ( التذكرة : 31 ) إلى أنه « ليس الأمر بالشيء هو بنفسه نهيا عن ضده ، ولكنه يدل على النهي عنه بحسب دلالته على حظره ، وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحة النهي العقلي عن ضد ما أمر به » ، واما الشريف المرتضى فقد نفى الاقتضاء لفظا ومعنا ( الذريعة :
1 - 86 - 85 ) وأما الشيخ الطوسي ( ره ) فإنه يذهب إلى أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده معنا لا لفظا ، ولكنه اقتضاء مجازي لاعتقاد الشيخ أن النهي من صفات الأقوال دون المعاني .