فأما ما وصف الله تعالى إبليس بالعصيان ، فإنه علم أنه فعل قبيحا بتركه السجود المأمور به ، وقد دللنا على أن الأمر يقتضي الإيجاب فلم يخرج من بابه . ومن قال بالندب ، قال علم ذلك بدليل غير الأمر فلا يمكن الاستدلال به . فأما من اعتمد على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك اقتضى الإيجاب ، فلا يمكن الاعتماد عليه ، لأن عندنا ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده ، وسنبين ذلك فيما بعد ( 1 ) فلا يمكن الاعتماد على ذلك . ولا يمكن أيضا أن يعتمد على أن يقال [ 1 ] : إن الأمر يدل على أن الآمر مريد للمأمور به ، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون كارها لضده لأن ذلك يفسد من وجهين : أحدهما : إنا قد بينا ( 2 ) أن الأمر لا يقتضي إرادة المأمور به أصلا فلا يصح ذلك ، ثم لو اقتضى ذلك لم يجب أن يكون كارها لضده . والوجه الثاني : أن ذلك يقتضي أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة ، وقد علمنا أنها ليست مكروهة الضد [ 2 ] . ولا يمكن أيضا أن يقال : إن نفس الإرادة للشيء كراهية لضده ( 3 ) ، لأن ذلك يفسد من وجهين أيضا :
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 180
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٨٠
هامش
( 1 ) انظر تفصيل الأقوال واختلاف الآراء في هذه المسألة في صفحة 196 هامش رقم ( 1 ) . .
( 2 ) انظر التعليقة رقم ( 1 ) في صفحة 170 . .
( 3 ) الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 56 . .
[ 1 ] هذا دليل أبي إسحاق الشيرازي لإثبات أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، يقول في ( التبصرة : 90 ، وشرح اللمع 1 : 262 - 261 : « ويدل عليه هو أن الأمر يقتضي كراهية ضده وقبحه ، وذلك يقتضي تحريمه ، فيجب أن يكون الأمر بالشيء تحريما لضده » . انظر أيضا : ( المعتمد 1 : 98 ) .
[ 2 ] أجاب أبو إسحاق الشيرازي عن هذا الاعتراض بجوابين ، ومختاره في المقام هو تعميم حكم النهي عن الضد ليشمل المستحبات أيضا . انظر : ( التبصرة : 90 - 91 ) .