أن يحدّ الشّيء بنفسه . ولا يجوز أن يحدّ بأنّه إثبات ، لأنّ الإثبات في اللَّغة هو الإيجاب ( 1 ) ، ولأجل ذلك يقولون : « أثبتّ السّهم في القرطاس » أيّ أوجبته ( 2 ) فيه . ويعبَّر أيضا في الخبر عن وجوب الشّيء كما يقال في المجبّرة [ 1 ] أنّهم مثبِّتة . ثمّ إنّ ذلك ينتقض بالتقليد ، لأنّه أيضا إثبات للشّيء على ما هو به ، إن أريد بهذه اللَّفظة الاعتقاد ، وإن أريد بها العلم فقد حدّ الشيء بنفسه . والعلوم على ضربين : ضروريّ ، ومكتسب . فحدّ الضّروري : ما كان من فعل غير العالم به ، على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه بشكّ أو شبهة . وهذا الحدّ أولى ممّا قاله بعضهم من أنّه : « ما لا يمكن العالم به دفعه عن نفسه بشكّ أو شبهة إذا انفرد » [ 2 ] لأنّ ذلك تحرّز ممّن ( 3 ) اعتقد بقول النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّ زيدا في الدّار ، ثمّ شاهده ، فإنّه لا يمكنه أن يدفع ذلك عن نفسه ، و ( 4 ) مع هذا فهو اكتساب .
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 13
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٣
هامش
( 1 ) في أغلب مصادر اللغة التي بين أيدينا أنّ « الإثبات » بمعنى الدوام ، والاستقرار ، والإقامة ، والتّحقّق ، والتأكَّد ، ولم يرد بمعنى « الإيجاب » ولا يخفى أن الإيجاب من مرادفات المعاني التي ورد ذكرها في المصادر . .
( 2 ) في الأصل : أوجدته . .
( 3 ) لمن . .
( 4 ) في الأصل : أو . .
[ 1 ] المجبّرة أو الجبريّة ، والجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الله سبحانه وتعالى ، والجبريّة مذهب ، وهم على أصناف ، فالجبريّة الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا ، والجبريّة المتوسّطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثّرة أصلا .
[ 2 ] قوله : « إذا انفرد » يعني إن انفرد ، والمراد بالانفراد الانفراد عن غير ما أوجبه ممّا يوجب علما لا يمكن دفعه عن نفسه ، أو ممّا يوجب العلم مطلقا ، أو من جميع ما عداه . والعلم الحاصل بالبرهان إذا انضمّت إليه براهين كثيرة دالَّة على ما تعلَّق به منفرد على الأوّل دون الثانيين .