وقال ابن عبد ربّه : وقال له النّبيّ ( صلّى الله عليه وسلّم ) : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون
من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي » ؟ وبهذا الحديث سمّت الشيعة علي بن أبي طالب الوصيّ ، وتأوّلوا فيه ( 1 ) : أنّه استخلفه على أُمّته إذ جعله منه بمنزلة هارون من موسى ، لأنّ هارون كان خليفة موسى على قومه إذ غاب عنهم . وقال السيّد الحميري - رحمه الله تعالى - :
إنّي أدين بما دان الوصيّ به * وشاركتْ كفُّه كفّي بصفّينا ( 2 )
ثمّ توهّم أنّ هارون لم يكن خليفة موسى إلاّ في حياته لا بعد موته لأنّه مات قبل موسى باطلٌ لأنّ موسى ( عليه السلام ) نصب أخاه هارون خليفة ووصيّاً ووزيراً مطلقاً - كما تشير إلى هذا الإطلاق آية سورة طه - في حياته وبعد مماته - لو عاش - ، ولم يُرد في ذلك غيرَ هارون ، ولو كان هارون حيّاً بعده لكان هو خليفته ووصيّه - بلا شكٍّ - إذ لم ينصّ موسى على غيره ، فمن ثبتت واستمرّت خلافته في حياة موسى - بنصّه ونصبه - فهو أولى النّاس بها بعد مماته ولم يشركه فيها غيره ، ولكن لمّا قضى الله تبارك وتعالى موت هارون في حياته جعل موسى ( عليه السلام ) يوشعَ وصيّه ، عملاً بحكم العقل ونواميس الشرع بنصب الوصيّ ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشير - أيضاً - إلى هذه المنزلة بين موسى ويوشع الثانية وأثبتها بينه وبين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) - كما أثبتها في موسى وهارون - :
62 - عن سلمان ( رضي الله عنه ) قال : قلت : يا رسول الله ، لكلّ نبيّ وصيٌّ ، فمن وصيّك ؟ فسكت عنّي ؛ فلمّا كان بعدُ رآني ، قال : « يا سلمان » . فأسرعت إليه فقلت : لبّيك .
هامش
( 1 ) وهذا الاستدلال مبتن على أصول محكمة وشواهد قطعيّة ؛ وليست تسمية الشيعة عليَّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) الوصيّ منحصرة في هذا الحديث الشريف .
( 2 ) « العقد الفريد » 4 / 286 ( فضائل علي بن أبي طالب ) .