من المهلكات وموجباً لارتفاع الدرجات ، وقد ظهر لأهل الحلّ والعقد ، وأرباب السبك ( 1 ) والنقد ، أنّ
أشرف الموجودات وأكمل المعلومات ، هو ذات واجب الوجود ، المفتقر إليه كلّ موجود ، فالعلم به
تعالى وتقدّس أجلّ من كلّ علم وأنفس . هذا مع اتّفاق الرسل والأنبياء ، وإطباق العقلاء وإجماع العلماء
على وجوب معرفة اللّه تعالى على الأعيان ، و ( 2 ) الحتم بها في كلّ حين وزمان ، ولم يسوّغ أحد من
المشرّعين ، ولا جوّز أحد من العارفين سلوك طريق التقليد لأحد من العلماء ، ولا ارتكاب عقائد
الأجداد والآباء ، إلاّ بعد الجدّ والاجتهاد والاستقصاء في تحصيل الاعتقاد ، بل حرّموا ذلك على
الإطلاق ومنعه الشارع بالاتفاق .
وأوجبوا على كلّ مكلّف بذل الوسع في تحصيل المعارف ، ليحصل الأمن من المخاوف ، وذلك إنّما
هو بعلم الكلام ، فوجب معرفته على الخاص والعام . وقد صنّفنا فيه كتباً متعدّدة ومسائل مسدّدة .
وقد أجمع رأينا في هذا الكتاب الموسوم ب « نهاية المرام في علم الكلام » على جمع تلك الفوائد التي
استنبطناها والنكت التي استخرجناها ، مع زيادات نستخرجها في هذا الكتاب لطيفة ، ومعان حسنة
شريفة لم يسبقنا إليها المتقدّمون ولا سطرها المصنّفون .
ثمّ نذكر على الاستقصاء ما بلغنا من كلام القدماء ، ونحكم بالإنصاف بين
هامش
1 . سبَك : المعدِن ، سبَكاً : أذابه وخلّصه من الخبث ، ثمّ أفرغه في قالب . ويقال : سَبكت التجاربُ فلاناً : علمته
وهذَّبته . ( المعجم الوسيط ، مادة « سَبك ) » .
2 . أي وجوب المعرفة اليقينية ، وسيرد عليك ما يفيدك بصيرة في الفصل السادس من مقدمة الكتاب .