تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ومترابطةً ، وأشيائنا وأفكارنا مبعثرةً ومفكّكة . فمنذ إن سَأَلَنَا عن التكرار في القرآن فقلنا له : إنَّ العربَ تكرّر العبارةَ ونزلَ القرآنُ على عادتهم ! ومنذ إنْ سأل ثانيةً عن الأمثال فقلنا : إنَّ العربَ تمثِّلُ وتضرِبُ الأمثالَ ونزلَ القرآنُ على عادتهم ! ومنذ إنْ سأل عن التقديم والتأخير فقلنا : جاء في أساليب العرب ، فقدَّموا وأخَّروا ، ونزلَ القرآنُ على أساليبهم في الكلام ! ومنذ إنْ سأل عن التراكيب الغريبة فقلنا : هنا محذوف على عادة العرب بحذف المضاف وحذف كذا وكذا ، وقد نزلَ القرآنُ على عادتهم في الحذفَ ! ومنذ سأل عن المعاني فقلنا : جاء بمعنى كذا ، ويجيء بمعنى كذا على عادة العرب في تعدّد معاني اللفظ الواحد ! منذ سأل عن كلِّ ذلك وغيره ، ومنذ أجبناه ب‍ ( عادة العرب ) فقد صار يضحكُ من عقولنا وادِّعاءاتنا أنَّه كلامٌ معجزٌ . وقد برهنا له من حيث نعلم أو لا نعلم أنَّ هذا القرآن هو كلامٌ عربيٌّ لا كلامٌ إلهيٌّ بلسانٍ عربي . وبذلك نكون قد مهّدنا له للهجوم علينا بالسؤال المعضل : لماذا إذن لا نقدر أن نأتي بمثلهِ ؟ أليس الجملة مركّبةً من ألفاظٍ ومعاني لتلك الألفاظ وفيها تقديمٌ وتأخيرٌ وحذفٌ وما إلى ذلك ، وأنتم تزعمون أنَّ القرآن يسير على تلك القواعد والطرائق والأساليب ؟ فما الذي يمنعنا ويمنعكم إذن الإتيان بمثله ؟ . من المؤكّد أنَّنا لن نستطيع إجابته على هذه السؤال إلاَّ بأن نعترف بأحد أمرين : إمَّا أنَّ القرآن ليس بمعجزٍ ويمكننا أن نأتي بمثلهِ ، وهو ما يريده الخصم ، وإمَّا أن نُقِرَّ بأن قواعدنا اللغوية لا علاقة لها بقواعد القرآن وأساليبه الخاصة به ، وهو ما فعلنا خلافه ونقيضه طوال أربعةَ عشر قرناً ، مشحونين بروح الاستكبار على الله وكلامه ، وجاعلين منه مستنداً لقواعد افتعلناها من تلقاء أنفسنا وآتين لها بشواهد من جدودنا الصعاليك والماجنين ، وجعلنا القرآن واحداً من تلك الشواهد . وهو أمرٌ طالما دفعنا الخصم إليه وزيّنهُ لنا . وكذلك علماء الأمة الإسلامية كلّها لم يستطيعوا الإجابة على هذا السؤال