تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
منظَّمٌ بصرامةٍ ودقّةٍ تفوقان ما في الكائنات . وهو حيويٌّ ومترابطٌ بمثلِ ما في الكائنات من نظامٍ وحيويةٍ . فإعجازُهُ في داخله وبرهانُهُ في ذاته . ولكن الإعجاز لا يمكن كشفه إلاَّ بشرطين : الأول : الخضوع لهذا النظام بكلِّ ما في هذه العبارة من معانٍ مرّت في هذه المقدِّمة ، والشرط الثاني : التدبّر لمعرفة هذا النظام . وفي هذه الحالة نترك المشكّك وهو يشكّ في نفسه وفي صدق نواياه ، ونردُّ عليه بمنطقٍ يرغمه على اقتراف أحد أمرين : إن كان مخلصاً أمكنه الولوج في أبواب القرآن ، وإن كان مكابراً أسقط القناع عن وجهه مرغماً بالصدود والإعراض . وهو المطلوب في الحالتين . إنَّ هذا المنهج إذ يكشف عن جزءٍ من طبيعة النظام القرآني ، فإنَّه ينبّه إلى أنَّ الدفاع السلبي بمثل هذه الطرق كالتواتر وغيرها إنَّما هو في حقيقة الأمر هجومٌ على القرآن ، وصدٌّ عنه ، وتأكيدٌ على صحّة الشكوك ، وموقفٌ هو الغاية من الضعف والهوان والتراجع . إلغاء المنهج اللفظي لدعوى ( الصرفة ) هذه القضية ودعواها مرتبطةٌ بموضوع ( إعجاز القرآن ) وقضية التواتر . فما دام القرآن يحتاج إلى ( دليلٍ ) لإثبات أنَّه كلام الله فهو يحتاج إلى دليلٍ أيضاً لإثبات أنَّه معجزٌ ! . وهنا تناقضٌ ظاهرٌ للعيان : إذ أن المرء إذا آمن أنَّه كلام الله فلا بدَّ أن يؤمن كنتيجةٍ لذلك أنَّه معجز ، لأنَّه قد ذكر فيه أكثر من مرّة هذا الإعجاز من خلال التأكيد على أن الخلْقَ كما ورد في القرآن لا يأتون بمثله . قال تعالى : * ( قلْ لَئِنْ اجْتَمعَتِ الإنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أنْ يأتوا بِهذا القُرآنِ لا يَأتون بِمِثْلِهِ وَلَو كَانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيرا ) * ( الإسراء 88 ) لكن أصل الموضوع ليس كذلك . فالمطلوب كدليلٍ على الإعجاز يسير جنباً إلى جنبٍ مع طلب الدليل على أنَّه كلام الله . بمعنى أن القضيتين في الأصل هما قضيّةٌ واحدةٌ . فإذا سأل الشاكُّ عن صحّة النسبة إلى الله ، فسيقال له ( التواتر ) . ولمّا كان التواتر لا يعتبره الشاكُّ في شعوره الداخلي دليلاً منطقياً ، فإنَّه سيطلب معرفة سرِّ الإعجاز أو في الأقل دليلاً عليه كبديلٍ ليثبت أنَّه كلام الله . . فانتبه لذلك .