فلما أحرقت ، أقبل على من كان حاضرا ، وقال : واللَّه لو فتحتها ، وقرأت ما فيها ، لفسدت نيات الناس كلَّهم علينا ، واستشعروا الخوف منا ، ومع فعلنا ما فعلناه ، طوينا الأمور بهذا ، فهدأت القلوب ، واطمأنت النفوس « 1 » .
ثم قال لي : قد آمن اللَّه ، والخليفة - أعزّه اللَّه - كلّ من بايع ابن المعتز ، فاكتب الأمانات للناس جميعا ، وجئني بها لأوقّع فيها ، ولا تردّ أحدا عن أمان يطلبه ، فقد أفردتك لذلك ، لأنّه باب مكسب كبير .
وقال لمن حضر : أشيعوا قولي ، وتحدّثوا به بين الخاص والعام ، ليأنس المستوحش ، ويأمن المستتر .
قال أبو علي : فحصل لي من كتب الأمانات ، مائة ألف دينار ، أو نحوها .
الوزراء للصابي 135
هامش
« 1 » درج الوزير أبو الحسن ، في تصرفه هذا ، على طريقة أخيه أبي العباس أحمد بن الفرات ، وقد كان الأخوان من رجال الديوان في أيام الوزير عبيد اللَّه بن سليمان ، وزير المعتضد ، وقد سلم الوزير إلى أبي العباس ، إضبارة ضخمة ، وقال له : يا أبا العباس ، هذه الإضبارة ، وقائع ، وسعايات ، بك وبأخيك ، من أسبابكما ، وثقاتكما ، وصنائعكما ، خبأتها لك ، لتعرف بها من ينبغي أن تحترس منه ، وتعامل كل واحد بما يستحقه ، فأكثر أبو العباس من شكره ، والدعاء له ، وبدأ أبو الحسن ، يقرأ شيئا من الإضبارة ، فانتهره أبو العباس ، وقال : لا تقرأ شيئا منها ، وأخذها فطرحها في النار ، وقال : ما كنت لأقابل نعمة اللَّه ، على ما وهبه لي من تفضل الوزير ، بما يوجب الإساءة إلى أحد ، ولا حاجة بي إلى قراءة ما يوحشني من أسبابي ، ويجر عليهم إساءة مني ، فقال الوزير عبيد اللَّه بن سليمان : أردت التفرد بمكرمة ، فسبقني أبو العباس إليها ( الوزراء للصابي 83 ) ، وكذلك صنع الوزير نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقي ، فإن ملكشاه لما تقلد السلطنة ، انتقض عليه أحد أعمامه ، وحاربه ، فانهزم العم ، وجئ به أسيرا ، فأنفذ إليه خريطة مملوءة بكتب من أمراء السلطان وقال : هؤلاء حملوني على الخروج عن الطاعة ، وحسنوا لي ذلك ، فدعا السلطان وزيره نظام الملك ، وأعطاه الخريطة ، ليقرأ ما فيها ، فألقى الوزير الخريطة في كانون نار ، فاحترقت الكتب ، من دون أن يطلع عليها ، فسكنت قلوب العسكر ، وأمنوا ( وفيات الأعيان 4 / 370 ) .