تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
فيعرف رأيه ، وما عنده ، ثم يجمع الآراء ، ويختار منها بصائب فكره ، وثاقب نظره ما شاء ، فإمّا أن يقول كل واحد رأيه ، بحضرة الباقين ، فربّما كان عنده ، ما يسلك سبيل التقيّة في كتمانه وطيّه . قال : صدقت واللَّه ، قم معي ، فأخذ يده ، ودخلا ، وترك الباقين بمكانهم . فقال له ابن الفرات : قررت رأيك على ابن المعتز ؟ قال : هو أكبر من يوجد . قال : وأيّ شيء تعمل برجل فاضل ، متأدّب ، قد تحنّك ، وتدرّب ، وعرف الأعمال ، ومعاملات السواد ، وموقع الرغبة في الأموال ، وخبر المكاييل والأوزان ، وأسعار المأكولات والمستغلَّات ، ومجاري الأمور والتصرّفات ، وحاسب وكلاءه على ما تولَّوه ، وضايقهم ، وناقشهم ، وعرف من خياناتهم واقتطاعاتهم ، أسباب الخيانة والاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم ، فكيف يتمّ لنا معه أمر ، إن حمل كبيرا على صغير ، وقاس جليلا على دقيق ، هذا لو كان ما بيننا وبينه عامرا ، وكان صدره علينا من الغيظ خاليا ، فكيف وأنت تعرف رأيه . قال العباس : وأيّ شيء في نفسه علينا ؟ قال : أنسيت أنّه منذ ثلاثين سنة ، يكاتبك في حوائجه ، فلا تقضيها ، ويسألك في معاملاته فلا تمضيها ، وعمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر ، ويتوسّل في الوصول إليك ليلا ، فلا تأذن ، وكم رقعة جاءتك بنظم ونثر ، فلم تعبأ بها ، ولا أجبته إلى مراده فيها ، وكم قد جاءني منه ، ما هذا سبيله ، فلم أراع فيه وصولا إلى ما يريد إيصاله إليه ، وهل كان له شغل عند مقامه في منزله ، وخلوته بنفسه ، إلَّا معرفة أحوالنا ، والمساءلة عن ضياعنا ، وارتفاعنا ، وحسدنا على نعمتنا ، هذا ، وهو يعتقد أنّ الأمر كان له ولأبيه