فتحدّثنا ساعة ، فقلت له : لا أرى للنائب عن ابن غريب خبرا ، ولا أثرا ، فدافعني .
فصبرت ساعة ، ثم كرّرت الخطاب عليه ، وألححت ، ولست أعلم من هو النائب بالحقيقة عن ابن غريب .
فقال للفتى : هات قضيبا « 1 » ، فأتاه به .
فأخذه أبو بكر ، ووقّع ، واندفع يغنّي ، فغنّاني نيفا وأربعين صوتا ، في غاية الحسن ، والطيبة ، والاطراب ، فأشجاني ، وحيّرني .
فقلت له : يا أستاذ متى تعلَّمت هذا ؟ وكيف تعلَّمته ؟
فقال : يا بارد تعلَّمته لبغيض مثلك ، لا يحضر الدعوة إلَّا بمغنّ .
ومضى لنا يوم طيّب معه .
تاريخ بغداد للخطيب 5 / 146
هامش
« 1 » الغناء بالقضيب ، ويسمى أيضا ، القول بالقضيب ؛ أن يغني المغني وبيده قضيب يضرب به على الأرض أو على مخدة من الجلد ، لضبط النغمة ، راجع الأغاني للأصبهاني 1 / 296 ، ويفضل هذا النوع من الغناء المتحرجون الذين لا يرغبون في سماع غناء ترافقه أصوات العيدان والطنابير ، ويقال للمغني بالقضيب : قوال ، ومن جملة القوالات ، تحفة القوالة ، جارية أبي عبد اللَّه بن عمر البازيار ، وكانت تغني من وراء الستارة في مجالس يحضرها الناس ( القصة 7 / 16 من النشوار ) ومنهن خاطف القوالة ، كان يحضر مجلسها ويطرب لغنائها الشاعر أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي ( حكاية أبي القاسم البغدادي 80 ) ، وكذلك كان المحدث أبو القاسم ابن بنت منيع يحضر مجلسها ، ويسمع غناءها ، ويتواجد من قولها ، وهو ابن مائة سنة ( القصة 2 / 180 من النشوار ) ، وفي كتاب الموسيقى والغناء عند العرب لأحمد تيمور ص 84 أبيات للمأموني ، في قضيب القول :أهيف قد زاحم الحسان على
أخص أسمائه إذا اقتضبا
من الملاهي وليس ينكره
ذو ورع حين ينكر اللعبا
يلهو به من لها وما اقترف
الذنوب في فعله ولا احتقبا
يضرب وجه الثرى به فترى
كل فؤاد به قد اضطربا
إذا تثنى ثنى القلوب وقد
أهدى إليها السرور والطربا