وطرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا ، فردّهم .
قال : وكان لجوجا ، إذا منع من الأوّل ، شيئا يلتمس منه ، أقام على المنع .
قال : ولم يبق في نفسي ، من يجوز أن أطرحه عليه ، وأقدّر انّه يجيبه ، إلَّا امرأته الكرديّة ، والدة أبي تغلب « 1 » .
قال : فقصدتها ، وخاطبتها في حاجتي ، وسألتها مسألته .
فقالت : أنت تعلم خلقه ، وقد ردّك ، وإن سألته عقيب ذلك ، ردّني أيضا ، فأخرق جاهي عنده ، ولم يقض [ 16 ] الحاجة ، ولكن أقم أيّاما ، حتى أظفر منه ، في خلال ذلك ، بنشاط ، أو سبب أجعله طريقا للكلام ، والمشورة عليه ، والمسألة له .
قال : فعلمت صحّة قولها ، فأقمت .
قال : فإنّي جالس بحضرته يوما ، إذ جاءه برّاج « 2 » ، بكتاب طائر ، عرّفه سقوطه من بغداد .
فلما قرأه ، اسودّ وجهه واسترجع ، وأظهر قلقا وغمّا ، وقال : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ، يا قوم ، المتعجرف ، الأحمق ، الجاهل ، المبذّر ، السخيف الرأي ، الرديء التدبير ، الفقير ، القليل الجيش ، يقتل الحازم ، المرتفق ، العاقل ، الوثيق الرأي ، الضابط ، الجيّد التدبير ، الغنيّ ، الكثير الجيش ؟ إنّ هذا لأمر عجيب .
قال : فقلت له : يا سيّدي ما الخبر ؟
فرمى بالكتاب إليّ ، وقال : قف عليه .
هامش
« 1 » فاطمة بنت أحمد الكردية : كانت مالكة أمر ناصر الدولة ، وهي أم أبي تغلب وأبي البركات وجميلة أولاد ناصر الدولة ( الكامل 8 / 593 ) .
« 2 » البراج : الموكل ببرج الحمام الزاجل .