قال : فما عقلت ، حتى وصلت إلى بلد « 1 » ، في نفر قليل من أهل معسكري ، وتبعني الباقون .
فحين وردوا ، نهضت للرحيل ، ولم أدعهم أن يراحوا ، وخرجنا .
فلما صرنا على فرسخ من بلد ، إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا ، فلم أشكّ أنّ أخي أنفذهم للقبض عليّ .
فقلت لمن معي : تأهّبوا للحرب ، ولا تبدأوا ، وحثّوا السير .
قال : فإذا بأعرابيّ ، يركض وحده ، حتى لحق بي ، وقال : أيّها الأمير ، ما هذا السير المحثّ ؟ خادمك دنحا ، قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة ، ويسألك أن تتوقّف عليه حتى يلحقك .
قال : فلما ذكر دنحا ، قلت : لو كان شرّا ، ما ورد دنحا فيه .
فنزلت ، وقد كان السير كدّني ، والحمّى قد أخذتني ، فطرحت نفسي لما بي ، ولحقني دنحا ، وأخذ يعاتبني على شدّة السير ، فصدقته عمّا كان في نفسي .
فقال : اعلم انّ الذي ظننته انقلب ، وقد تمكَّنت لك في نفسه هيبة ، بما جرى ، وبعثني إليك برسالة ، يقول لك : إنّك قد كنت جئتني تلتمس كيت [ 19 ] وكيت ، فصادفت منّي ضجرا ، وأجبتك بالردّ ، ثم علمت أن الصواب معك ، فكنت منتظرا أن تعاودني في المسألة ، فأجيبك ، فخرجت من غير معاودة ولا توديع ، والآن ، إن شئت فأقم بسنجار « 2 » ، أو بنصيبين ، فإنّي منفذ إليك ما التمست من المال والرجال ، لتسير إلى الشام .
هامش
« 1 » بلد : مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بسبعة فراسخ ( معجم البلدان 1 / 715 ) .
« 2 » سنجار : مدينة مشهورة من أراضي الجزيرة تبعد ثلاثة أيام عن الموصل ومثلها عن نصيبين ( معجم البلدان 3 / 158 ) .