إعجاب الخليفة ، بالعود الهنديّ ، وأشرت عليه بالاستكثار منه ، وقلت :
هو أحبّ إليه من جميع ما تهديه إليه ، من غيره .
فأنفذ منه شيئا عظيما ، هائلا ، كثيرا ، وفيه من [ 92 ] الطرائف ما لم يسمع بمثله .
وأنفذ معه من الجواهر ، واليواقيت ، والتوتيا ، وطرائف بلاده ، ما يكون قيمته مالا جليلا ، وأضعاف ما حملناه إليه .
فلما أردت توديعه ، قال : اصبر ، ثم دعا بصندوق ، ففتحه ، وأخرج منه مفتاح ذهب ، وأخرج منه قطع عود هندي لطافا ، فأعطانيها ، وقد كان قدّ « 1 » ما أعطانيه نصف رطل ، ودعا بدرج ، وجعله فيه ، وقفله ، وسلَّمه ومفتاحه إليّ ، وقال : هذا خاصّة ، توصله من يدك إلى يده .
قال : فأنكرت ذلك في نفسي ، وقلت : أبت الهندية فيه إلَّا الحمق .
قال : فبان له التنكَّر في وجهي . فقال : أظنّك احتقرته ؟ فقلت :
وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا .
فقلت : الملك يقول .
فقال : يا غلام ، هات مجمرة ، ونارا .
فأتى بهما ، ودعا بمنديل لطيف للكمّ « 2 » ، فأتى به ، وأخرج من ذلك العود شظيّة ، مقدار أقلّ من نصف دانق فضّة « 3 » ، فطرحها في النار ، وبخّر بها المنديل ، ثم قال : شمّ .
هامش
« 1 » قد : عامية بغدادية لم تزل مستعملة وتعني : قدر ، أو : مقدار .
« 2 » الكم ، بضم الكاف ، وجمعه أكمام : مدخل اليد ومخرجها من الثوب ، وقوله : منديل الكم يعني به المناديل التي كانت توضع في الكم ، وتستعمل في مسح الوجه واليد ، ويقتضي مكان هذا المنديل أن يكون لطيفا لكي لا يضيق به الكم .
« 3 » الدانق : سدس الدرهم .