فشكره أبو عمر ، وخاطبه بما أو همه فيه انّها رقعته ، من غير أن يطلق ذلك ، وكان أفعل الناس لهذا ، وأقدرهم على أن يتكلَّم دائما في الأمور بما يحتمل معنيين ، ويحتاج إلى تفسير للمقصد ، توقّيا منه ، ودهاء .
وقال أبو عمر : فليطلب الرجل ، إن كان حاضرا ويدخل ، فطلبوه وأدخلوه ، وقد امتقع لونه .
فقال له ابن الحواريّ : أنت الموصل لرقعة القاضي أعزّه اللَّه ؟
فقال : نعم .
فقال له أبو عمر : إنّه أعزّه اللَّه قد وعد بتصريفك والإحسان إليك ، فالزمه .
قال : وتحدّثا ساعة ، ونهض أبو عمر ، وقال لي سرّا : [ 20 ط ] جئني به . فتأخّرت وونّسته « 1 » ، وحملته إليه ، فدخلت عليه به وهو خال ينتظرنا وحده .
فقال له : ويلك ، أتزوّر على خطَّي ، وأنا حاكم ، وخطَّي ينفذ في الأموال والفروج والدماء ؟ ما كان يؤمنك أن أعرّف أبا القاسم أمرك فتصير نكالا .
فبكى الرجل وقال : واللَّه ، أيّها القاضي ، ما حملني على ذلك إلَّا عدم القوت ، وشدة الفقر ، وأنّي وثقت بكرمك ففعلت ذلك ، إذ كان غير متّصل بحكم ولا شهادة ، وقدّرت أيضا أنّ ذلك ينستر عنك ، وأنتفع أنا من حيث لا يضرّك .
فقال له أبو عمر : اللَّه إنّ الفقر حملك على هذا ؟
فقال : إي واللَّه ، فبكى أبو عمر ، وسارّ خادما له ، فغاب الخادم قليلا ،
هامش
« 1 » بمعنى آنسته : لغة بغدادية .