تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠

ذكر أخبار دولة علي بن مهدي الحميرىّ وبنيه

وهم من أهل قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد ، وكان أبوه رجلا صالحا سليم القلب ، ونشأ ولده علىّ هذا على طريقة أبيه في العزلة والتمسك بالصلاح ، وحج وزار ولقى حاجّ العراق وعلماءها ووعّاظها ، وتضلَّع في [ 1 ] معارفهم ، وعاد إلى اليمن ، فاعتزل وأظهر الوعظ ، وإطلاق التحذير من صحبة العسكرية ، وكان فصيحا صبيحا أخضر اللون طويل القامة مخروط الجسم بين عينيه سجّادة [ 2 ] ، حسن الصوت ، طيب النغمة ، حلو الإيراد ، غزير المحفوظات ، قائما بالوعظ والتفسير وطريقة الصوفية ، وكان يحدّث بشئ من أحواله المستقبلات فيصدق ، وكان ذلك من أقوى عدده في استمالة قلوب العالم ، وظهر أمره بساحل زبيد بقرية العنبرة وقرية واسط وقرية القضيب والأهواب / ( 122 ) والمقتفى وساحل الفازة وكان يتنقل بينها . وكانت عبرته لا ترقأ على ممر الأوقات ، ولم يزل يعظ الناس في البوادي من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فإذا دنا الموسم خرج حاجا على نجيب له إلى سنة ست وثلاثين [ وخمسمائة ] . ثم أطلقت الحرة أم فاتك ابن منصور له ولأخوته وأصهاره ومن يلوذ بهم خراج أملاكهم ، فلم تمض بهم هنيهة حتى أثروا ، واتسعت حالهم ، فركبوا الخيل . ثم حالفه قوم من أهل الجبال على النصرة ، فخرج من تهامة إليهم في سنة ثمان وثلاثين ، فجمع جموعا تبلغ أربعين ألفا ، وقصد بهم مدينة الكدراء ، فلقيه القائد إسحاق بن مرزوق السحرتى [ 3 ] في قومه ، فهزموا أصحابه ، وقتلوا خلقا من جموعه ، وعفوا عن أكثرهم ، وعاد ابن مهدي إلى الجبال ، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين [ وخمسمائة ] ، ثم كاتب الحرّة بزبيد ، وسألها في ذمّة له ولمن يلوذ به ، ويعود إلى وطنه ، ففعلت له ذلك على كره من أهل دولتها ، ومن فقهاء عصرها ، ليقضى اللَّه أمرا كان مفعولا .
هامش
[ 1 ] في « أ » ص 121 « من معارفهم » . [ 2 ] السجادة : أثر السجود في الجبهة . [ 3 ] في « أ » ص 122 والمثبت من المفيد ص 218 .