ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النّحيب والظمأ في هواجر مكَّة والمدينة ، وبرّه بأبيه وبى . اللهم قد سلَّمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبنى فيه ثواب الصابرين الشاكرين .
فتناول يدها ليقبّلها ، فقالت : هذا وداع فلا تبعد . فقال لها :
جئت مودّعا ، لأنى أرى هذا آخر أيامى من الدنيا . قالت : امض على بصيرتك ، وادن منى حتى أودّعك ، فدنا منها فعانقها ، وقبّل بين عينيها ، فوقعت يدها على الدّرع ، فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد ! فقال : ما لبسته إلَّا لأشدّ متنك . قالت : فإنه لا يشدّ متنى ، فنزعها ، ثم درج « 1 » كميه ، وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل ، وأدخل أسفلها تحت المنطقة ، وأمه تقول : البس ثيابك مشمّرة .
فخرج من عندها وحمل على أهل الشام حملة منكرة ، فقتل منهم ، ثم انكشف هو وأصحابه ، فقال له بعض أصحابه :
لو لحقت بموضع كذا . فقال : بئس الشيخ أنا إذا في الإسلام أن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم .
ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب ، وكانوا يصيحون :
يا بن ذات النّطاقين ، فيقول : وتلك شكاة ظاهر عنك لومها « 2 » .
هامش
« 1 » في الطبري : أدرع .
« 2 » في الكامل : عارها .