علينا ، وإنّما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دونتا بما أمره به ، وأمرنا ألَّا نخالف رأيه وقوله ، قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنّما ينبغي أن يكون دونكم .
قالوا : إنّه وإن كان أسود كما ترى ، فإنّه من أفضلنا موضعا ، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا ، وليس ينكر السّواد فينا .
فقال المقوقس لعبادة : تقدّم يا أسود وكلَّمنى برفق ، فإنّى أهاب سوادك ، وإن اشتدّ كلامك علىّ ازددت [ 1 ] لذلك هيبة ، فتقدّم إليه عبادة فقال : قد سمعت مقالك ، وإنّ فيمن خلَّفت من أصحابي ألف رجل كلَّهم أشدّ سوادا منى ، وأفظع منظرا ؛ ولو سمعتهم ورأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي ، وأنا قد ولَّيت وأدبر شبابي ، وإنّى بحمد اللَّه مع ذلك ما أهاب مائة رجل من عدوّى لو استقبلونى جميعا ، وكذلك أصحابي ؛ وذلك إنّما رغبتنا وهمّتنا الجهاد في سبيل اللَّه واتّباع رضوانه ، وليس غزونا ممّن حارب اللَّه لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها ؛ إلا أن اللَّه عزّ وجلّ أحلّ ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلَّا درهما ؛ لأنّ غاية أحدنا من الدّنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعته لليله ونهاره [ 2 ] ، وشملة يلتحفها . فإن كان أحدنا لا يملك إلَّا ذلك كفاه ؛ وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة اللَّه تعالى ، واقتصر على هذا الَّذى بيده ، وبلَّغه ما كان في الدّنيا ؛ لأنّ الدّنيا ليست بنعيم ، ورخاؤها ليس برخاء ، وإنّما النّعيم والرّخاء في الآخرة ؛
هامش
[ 1 ] ك : « أردت » ، تخريف .
[ 2 ] ك : « ليله ونهاره » .