ميمنتهم ، وكان يقصف [ 1 ] النّاس قصفا منكرا ، فتعجب النّاس منه وهم لا يعرفونه ، فقال بعضهم : هو من أصحاب هاشم ، أو هاشم نفسه . وقال بعض الناس : هو الخضر . وقال بعضهم : لولا أنّ الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنّه ملك .
وجعل سعد يقول حين ينظر إليه وإلى الفرس : الصّبر صبر البلقاء ، والطعن طعن أبى محجن . وأبو محجن في القيد ، فلما انتصف الَّليل وتراجع المسلمون والفرس ، أقبل أبو محجن فدخل القصر ، وأعاد رجليه في القيد ، وقال :
لقد علمت ثقيف غير فخر
بأنّا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات
وأصبرهم إذا كرهوا الحتوفا [ 2 ]
وأنّا وفدهم في كلّ يوم
فإن عميوا فسل بهم عريفا [ 3 ]
وليلة قادس لم يشعروا بي
ولم أشعر بمخرجى الزّحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي
وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى : في أىّ شئ حبسك ؟ فقال : أما واللَّه ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ؛ ولكنّى كنت صاحب شراب في الجاهليّة ، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشّعر على لساني ، فقلت مرتجلا في ذلك أبياتا :
إذا متّ فادفنّى إلى أصل كرمة
تروّى عظامي بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى
أخاف إذا ما متّ ألَّا أذوقها
هامش
[ 1 ] يقصف الناس : يضربهم ضربا منكرا .
[ 2 ] الحتوف : القتل .
[ 3 ] العريف : رئيس الجماعة .