تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فلمّا قدموا جمع سنحاريب الناس وأخبرهم كيف فعل اللَّه بجنوده . فقال له كهّانه وسحرته : قد كنا نقصّ عليك خبر ربهم وخبر نبيّهم ووحى اللَّه إلى نبيّهم ، فلم تطعنا ، وهى أمّة لا يستطيعها أحد من ربّهم . ولبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ومات . واستخلف بختنصّر ابن ابنه على ما كان عليه جدّه ، فعمل بعمله وقضى بقضائه ، فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض اللَّه تعالى صديقة ملك بني إسرائيل ، فمرج « 1 » أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا ، ونبيّهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه . فلما فعلوا ذلك أوحى اللَّه تعالى إلى شعيا : أن قم في قومك أوح على لسانك . فلمّا قام أوحى اللَّه تعالى على لسانه وأنطقه بالوحي فقال : يا سماء اسمعى ، ويا أرض أنصتى ؛ فإنّ اللَّه يريد أن يقصّ شأن بني إسرائيل الذين ربّاهم بنعمته ، واصطنعهم لنفسه ، وخصّهم بكرامته ، وفضّلهم على عباده ، واستقبلهم بالكرامة ، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعى لها ؛ فآوى شاردها ، وجمع ضالَّها ، وجبر كسيرها ، وداوى مريضها ، وأسمن مهزولها ، وحفظ سمينها . فلمّا فعل ذلك بها تناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا ، حتى لم يبق منهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير . فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من الخير . إنّ البعير مما يذكر وطنه فيأتيه ، وإنّ الحمار مما يذكر الآرىّ « 2 » الذي يشبع عليه فيراجعه ، وإنّ الثور مما يذكر المرج « 3 » الذي يسمن فيه فينتابه ، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من أين « 4 » جاءهم الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير ، وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه .
هامش
« 1 » مرج الأمر : فسد واختلط واضطرب . وفى الأصول : « فخرج » وهو تحريف . « 2 » الآرى : محبس الدابة . « 3 » المرج : الموضع الذي ترعى فيه الدواب . « 4 » في الأصول : « من حيث » .