تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
قل لهم : كيف ترون في أرض كانت جرزا « 1 » زمانا خربة مواتا لا عمران فيها ، وكان لها ربّ حكيم قوىّ ، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه ، فأحاط عليها جدارا وشيّد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا ، وصفّف فيها غراسا من الزيتون والرمّان والنخيل والأعناب وألوان الثّمار كلها ، وولىّ ذلك واستحفظه ذا رأى وهمّة حفيظا قويّا أمينا ، فانتظرها ، فلمّا أطلعت جاء طلعها خرّوبا ؟ ! . قالوا : بئست الأرض هذه ! نرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدمّر نهرها ويقبض قيّمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أوّل مرّة خرابا موانا لا عمران فيها . قال اللَّه عزّ وجلّ لهم : إنّ الجدار ذمّتى ، وإنّ القصر شريعتي ، وإنّ النهر كتابي ، وإنّ القيّم نبيّى ، وإنّ الغراس هم ، وإن الخرّوب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة ، وإنّى قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم ، فإنه مثل ضربه اللَّه لهم . يتقرّبون إلىّ بذبح البقر والغنم ، وليس ينالني اللحم ولا آكله . ويدّعون أنهم يتقرّبون إلىّ بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التي حرّمتها ، فأيديهم مخضوبة منها ، وثيابهم مترمّلة « 2 » بدمائها ؛ يشيّدون لي البيوت مساجد ويطهّرون أجوافها ، وينجّسون قلوبهم وأجسادهم ويدنّسونها . فأىّ حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها ! وأىّ حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها ! إنما أمرت برفعها لأذكر فيها ولأسبّح ، ولتكون مصلَّى لمن أراد أن يصلَّى فيها . يقولون : لو كان اللَّه يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها ، ولو كان اللَّه يقدر على أن يفقه قلوبنا لأفقهها ، فاعمد إلى عودين يابسين ثم ائت بهما ناديهم في أجمع ما يكونون ، فقل للعودين : إنّ اللَّه يأمركما أن تكونا عودا واحدا . فلمّا قال لهما ذلك اختلطا فصارا واحدا . فقال اللَّه تعالى [ قل « 3 » ] لهم : إني قد قدّرت على أن أفقه العودين اليابسين ،
هامش
« 1 » الجرز : الأرض التي قطع نباتها . « 2 » مترملة : متلطخة . « 3 » زيادة عن الثعلبي .