كأنه لمّا وقف على الديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغيّر فقال : « لم يعفها القدم » ثم تاب إليه عقله وتحقّق ما هي عليه من الدروس ، فقال :
بلى عفت وغيّرها الأرواح والدّيم ؛ ومنه بيت الحماسة :
أليس « 1 » قليلا نظرة إن نظرتها
إليك وكلَّا ليس منك قليل .
وأما التغاير
- فهو أن يغاير المتكلَّم الناس فيما عادتهم أن يمدحوه فيذمّه أو يذمّوه فيمدحه ؛ فمن ذلك قول أبى تمّام يغاير جميع الناس في تفضيل التكرّم على الكرم :
قد بلونا أبا سعيد حديثا
وبلونا أبا سعيد قديما
فوردناه سائحا وقليبا
ورعيناه بارضا وجميعا « 2 »
فعلمنا أن ليس إلا بشقّ النفس
صار الكريم [ يدعى « 3 » ] كريما
وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة :
لا يتعب النائل المبذول همّته
وكيف يتعب عين الناظر النظر
ومنه قول ابن الرومىّ في تفضيل القلم على السيف :
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شئ يعادله
ما زال يتبع ما يجرى به القلم
هامش
« 1 » البيت ليزيد بن الطثرية .
« 2 » البارض : أوّل ما يظهر من نبات الأرض ، والجميم : النبات الكثير ، أو هو ما نهض وانتشر منه . وفى الأصل : « سنيما » وفى حسن التوسل : « هشيما » ، وهو تحريف في كليهما ، والتصويب عن ديوان أبى تمام ص 360 ط الأدبية .
« 3 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل . وقد نقلناها عن ديوان أبى تمام إذ بها يستقيم البيت .