تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
ريحه وأفعل مثل ذلك . فلما جئ بحبابة وغنّت ، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور ويقول : الدّخن بالنّوى يعنى اللَّوبيا ! وأمر له يزيد بصلات في دفعات مبلغها ثمانية آلاف دينار . وحكى أيضا أنها غنّت يوما يزيد فطرب ، ثم قال : هل رأيت أطرب منّى ؟ قالت : نعم ، مولاي الذي باعني . فغاظه ذلك ، فكتب في حمله مقيّدا . فلما وصل أمر يزيد بإدخاله عليه فأدخل يرسف في قيوده ، وأمر يزيد حبابة أن تغنّى فغنّت :
تشطَّ بنا دار جيراننا وللدّار بعد غد أبعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فاحترقت لحيته ، وجعل يصيح : الحريق يا أولاد الزنا ! فضحك يزيد وقال : لعمري إن هذا لأطرب [ 1 ] الناس ! وأمر بحلّ قيوده ووصله بألف دينار ووصلته حبابة ، وردّه إلى المدينة . وروى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده إلى غانم الأزدىّ قال : نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشأم ومعه حبابة ، فقال : زعموا أنه لا يصفو لأحد يوما عيشه إلى الليل لا يكدّره شئ عليه ، وسأجرّب ذلك ؛ ثم قال لمن معه : إذا كان غد لا تخبرونى بشئ ولا تأتوني بكتاب . وخلا هو وحبابة ، فأتيا بما يأكلان ، فأكلت رمّانة فشرقت بحبّة منها فماتت ، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتى تغيّرت وأنتنت وهو يشمّها ويرشفها . فعاتبه على ذلك ذووه وأقر باؤه وصديقه وعابوا عليه ما يصنع ، وقالوا : قد صارت جيفة بين يديك ، فأذن لهم في غسلها ودفنها ، فأخرجت في نطع ، وخرج معها لا يتكلَّم حتى جلس على قبرها . فلما دفنت قال : أصبحت واللَّه كما قال كثيّر :
هامش
[ 1 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « إن مثل هذا يطرب الناس » .