تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
العلامة الثالثة : أن يكون أنسه باللَّه عز وجل ، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة ، إذ لا يخلو القلب من حلاوة المحبّة ، إما محبّة الدنيا وإما محبّة اللَّه ، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح ؛ فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان ؛ وكلّ من أنس باللَّه اشتغل به ولم يشتغل بغيره . وقد قال أهل المعرفة : إذا تعلَّق الإيمان بظاهر القلب أحبّ الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما ، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا ولم ينظر إليها ولم يعمل لها . وقد ورد في دعاء آدم عليه السلام : اللَّهمّ إنّى أسألك إيمانا يباشر قلبي . وقال أبو سليمان : من شغل بنفسه شغل عن الناس ، وهذا مقام العاملين . ومن شغل بربّه شغل عن نفسه ، وهذا مقام العارفين . والزاهد لا بدّ أن يكون في أحد هذين المقامين . وبالجملة فعلامة الزهد استواء الفقر والغنى والعزّ والذّلّ والمدح والذمّ ، وذلك لغلبة الأنس باللَّه . ويتفرّع عن هذه العلامات علامات أخر مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها . وقيل : علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول : أبنى رباطا أو أعمر مسجدا ؛ وهذا من كلام الأستاذ أبى علىّ الدقّاق . وقال ابن خفيف : علامته وجود الراحة في الخروج من الملك . وقال الجنيد : علامته خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد . وقال أحمد بن حنبل وسفيان : علامة الزهد قصر الأمل . وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكَّل وألبس برد الزهد وأقعد مع الزاهدين ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك في السرّ إلى حدّ لو قطع اللَّه عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك ؛ فأمّا ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح . قالوا : ولا يتمّ الزهد إلا بالتوكَّل ؛ فلنذكر التوكَّل .