تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
إلى انتظار قليل . ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه ، كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه ، فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ، ويظنّ بنفسه أنّه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه ؛ وهذا أيضا نقصان . الثالثة وهى العليا : أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنّه ترك شيئا إذ عرف أن الدنيا لا شئ ، فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا . [ والدنيا بالإضافة إلى اللَّه ونعيم الآخرة أخسّ من خزفة بالإضافة إلى جوهرة [ 1 ] ] ؛ فهذا هو الكمال في الزهد ، وسهبه كمال المعرفة . وأما أقسامه فمنها ما هو مضاف إلى المرغوب فيه والمرغوب عنه ؛ فأما المرغوب فيه فهو على ثلاث درجات : الأولى وهى السفلى : أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدي العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار . وفى الخبر : « إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشا على عرقه لصدرت رواء » ؛ فهذا زهد الخائفين وكأنّهم رضوا بالعدم لو أعدموا فإنّ الخلاص من الألم يحصل بمجرّد العدم . الدرجة الثانية : أن يزهد رغبة في ثواب اللَّه ونعيمه واللَّذّات الموعودة في جنّته من الحور والقصور وغيره ، وهذا زهد الراجين ، فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له . الدرجة الثالثة وهى العليا : ألا يكون له رغبة إلا في اللَّه وفى لقائه ، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ، ولا إلى اللذّات ليقصد نيلها والظفر بها ،
هامش
[ 1 ] زيادة من الإحياء .