قد تزخرفت لكم بغرورها ، وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطَّابها ، فأصبحت كالعروس المجلوّة ؛ العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة . فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئنّ إليها خذلت . فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنّها دار كثرت بوائقها ، وذمّها خالقها ؛ جديدها يبلى ، وملكها يفنى ؛ وعزيزها يذلّ ، وكثيرها يقلّ ؛ وحيّها يموت ، وخيرها يفوت . فاستيقظوا من غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم ؛ قبل أن يقال : فلان عليل ، أو مدنف ثقيل ، فهل على الدواء من دليل ، أو على الطبيب من سبيل ؛ فيدعى لك الأطبّاء ، ولا يرجى لك الشفاء ؛ ثم يقال : فلان أوصى ، ولماله أحصى ؛ ثم يقال : قد ثقل لسانه فما يكلَّم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه ؛ وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك [ 1 ] ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ؛ وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ؛ وقيل لك : هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك فلان ، ومنعت الكلام فلا تنطق ؛ ثم حلّ بك القضاء ، وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ؛ فاجتمع عند ذلك إخوانك ، وأحضرت أكفانك ؛ فغسّلوك وكفّنوك ؛ فانقطع عوّادك ، واستراح حسّادك ؛ وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك .
وقال بعض الحكماء : الأيام سهام ، والناس أغراض ، والدهر يرميك كلّ يوم بسهامه ، ويتخرّمك بلياليه وأيّامه ، حتّى يستغرق جميع أجزائك ؛ فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيّام بك ، وسرعة الليالي في بدنك ! لو كشف لك [ 2 ] عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممرّ الساعات بك ؛ ولكنّ تدبير اللَّه فوق تدبير الاعتبار ؛ وبالسلوّ عن غوائل الدنيا وجد طعم لذّاتها ، وإنّها
هامش
[ 1 ] كذا في الإحياء . وفى الأصلين : « وثبت نفسك . . . » .
[ 2 ] كذا في الإحياء . وفى الأصل : « لو كشفت عما . . . » .