تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وزار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمّها ، فقالت : أمسكوا عن ذكرها ، فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ، ألا من أحبّ شيئا أكثر من ذكره . وقال رجل لعلىّ رضى اللَّه عنه : يا أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا ؛ فقال : وما أصف لكم من دار من صحّ فيها ما أمن ، ومن سقم فيها ندم [ 1 ] ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ؛ في حلالها الحساب ، وفى حرامها العذاب . وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * * : من قال ذا ؟ من خلقها من هو أعلم بها . إيّاكم وما شغل من الدنيا فإنّ الدنيا كثيرة الأشغال ، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب . وقال أيضا : مسكين ابن آدم رضى بدار حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، إن أخذه من حلَّه حوسب به ، وإن أخذه من حرام عذّب به . ابن آدم يستقلّ ماله ولا يستقلّ عمله ، يفرح بمصيبته في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه . وقال داود الطائىّ : يآبن آدم ، فرحت ببلوغ أملك ، وإنّما بلغته بانقضاء أجلك ، ثم سوّفت بعملك ، كأنّ منفعته لغيرك . وقال بشر : من سأل اللَّه الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه . وقال أبو حازم : ما في الدنيا شئ يسرّك إلا وقد ألصق اللَّه إليه شيئا يسوءك وقال الحسن : أهينوا الدنيا ، فو اللَّه ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها . وقال أيضا : إذا أراد اللَّه بعبد خيرا أعطاه عطيّة من الدنيا ثم يمسك ، فإذا نفد أعاد عليه ؛ وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا .
هامش
[ 1 ] كذا في الأصلين . وفى الإحياء ( ج 3 ص 192 ) : « من صح فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم » .