تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
فأصبحت كالعروس المجلوّة [ 1 ] ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهى لأزواجها كلَّهم قالية ؛ فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بالأوّل مزدجر ، والعارف باللَّه عز وجلّ حين أخبره عنها مدّكر ؛ فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى ونسي المعاد ، فشغل لبّه حتى زلَّت [ به [ 2 ] ] قدمه ، فعظمت ندامته ، وكثرت حسرته ، واجتمعت عليه سكرات الموت وتألَّمه ، وحسرات الفوت بغصّته ؛ وراغب [ 3 ] فيها لم يدرك فيها ما طلب ، ولم يروّح نفسه من التعب ؛ فخرج بغير زاد ، وقدم على غير مهاد . فاحذرها يا أمير المؤمنين ، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ؛ فإنّ صاحب الدنيا كلما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته إلى مكروه ؛ السارّ فيها أهلها غارّ ، والنافع فيها غدّار [ 4 ] ضارّ ؛ وقد وصل الرخاء فيها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى فناء ، فسرورها مشوب بالأحزان . لا يرجع منها ما ولَّى وأدبر ، ولا يدرى ما هو آت فينتظر ؛ أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وصفوها كدر ، وعيشها نكد ، وابن آدم فيها على خطر ، ومن البلاء على حذر . فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ، لكانت الدنيا أيقظت النائم ونبّهت الغافل ، فكيف وقد جاء من اللَّه عز وجلّ عنها زاجر وفيها واعظ ! فما لها عند اللَّه جل ثناؤه قدر ، وما نظر إليها منذ خلقها . ولقد عرضت على نبيّك صلى اللَّه عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند اللَّه جناح بعوضة فأبى أن يقبلها إذ كره أن يخالف على اللَّه أمره ، أو يحبّ ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه . فزواها [ 5 ] عن الصالحين اختبارا . وبسطها
هامش
[ 1 ] في الأصل : « المجلية » والفعل واوى كما في القاموس . [ 2 ] زيادة عن الإحياء . [ 3 ] كذا في الإحياء . وفى الأصلين : « ومن راغب بزيادة « من » والسياق يأباها . [ 4 ] كذا في الإحياء . وفى الأصلين : « والنافع فيها غدا ضارّ » . [ 5 ] زواه زيّا وزويّا : نحّاه .