تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
ما يبكيك وقد أكمل اللَّه لنا ديننا برحمته ، وأتمّ لنا سابغ نعمته ؟ فقال : يبكيني أنه ماتم أمر إلا بدا نقصه . فقبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن قريب . وإذا كانت مشوبة برائع يتخلَّل صفوها ، وطارق يجهم في بعض الأوقات عفوها [ 1 ] ؛ كان ذلك صارفا عنها عين الكمال ، مؤذنا بطول الآجال ؛ حاكما لها بتراخي عمر البقاء ، دالَّا على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء ؛ وحكمه حكم المرض الذي تصحّ به الأجساد ، وتمحّص ذنوب من يسلَّط عليه من العباد :
فلا يبهج الأعداء سوء ظنونهم فللَّه صنع في الذي ساء ظاهر فكم طالب شيئا به الشرّ كامن وكم كاره أمرا به الخير وافر
فللَّه الحمد الذي جعل ما جرت به الأقدار من الألم الواقع ظاهره ، الوجل لوقعه ناظره ؛ لعنايته جلَّت عظمته عنوانا ، وعلى دوام نعمته دليلا واضحا وبرهانا . وإليه الرغبة في أن يجعل الديار وساكنيها ، والناس في أقاصي الدّنيا وأدانيها ؛ لشريف الحوزة التي بها صلاح العالم فداء ، وعنها للمكروه وقاء . فكل حادث مع دوام هذه الأيام الزاهرة جلل ، وكل غمر [ 2 ] من نوائب الدهر ما دافع لطف اللَّه عنها وشل . وقال أبو عبادة البحترىّ يهنّئ الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق :
بعدوّك الحدث الجليل الواقع ولمن يكايدك الحمام الفاجع قلنا : لعا لمّا عثرت ولا تزل نوب الليالي وهى عنك رواجع ولربما عثر الجواد وشأوه متقدّم ونبا الحسام القاطع لن [ 3 ] تظفر الأعداء منك بزلَّة واللَّه دونك حاجز ومدافع إحدى الحوادث شارفتك فردّها صنع الإله ولطفه المتتابع
هامش
[ 1 ] العفو : الفضل والمعروف وخيار الشئ وأجوده . [ 2 ] الغمر : الماء الكثير . وفى الأصل : « وكل غم » وهو تحريف ، لأنه يريد المقابلة بينه وبين « وشل » بعده . [ 3 ] كذا في ديوان البحتري . وفى الأصل : « إن تظفر » .