قال أبو الفرج الأصبهانىّ : وكانت شرسة الخلق ، وكذلك نساء بنى تيم ، هنّ أشرس خلق اللَّه خلقا وأحظاهنّ عند أزواجهنّ . قال : وآلت عائشة من زوجها مصعب بن الزبير ، فقالت : أنت علىّ كظهر أمّى ، وقعدت في غرفة وهيّأت ما يصلحها . فجهد مصعب أن تكلَّمه فأبت . فبعث إليها ابن قيس الرّقيّات فسألها كلامه . فقالت : كيف بيميني ؟ فقال : هاهنا الشّعبىّ فقيه أهل العراق فاستفتيه .
فدخل الشّعبىّ عليها فأخبرته ؛ فقال : ليس هذا بشئ ؛ فأمرت له بأربعة آلاف درهم .
وحكى أبو الفرج أنّ مصعب بن الزبير لمّا عزم على زواج عائشة بنت طلحة ، جاء هو وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق وسعيد بن العاص إلى عزّة الميلاء - وكانت عزّة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات ، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء - فقالوا لها : إنّا خطبنا فانظري لنا .
فقالت لمصعب : يا بن أبي عبد اللَّه ، ومن خطبت ؟ قال : عائشة بنت طلحة .
قالت : فأنت يا بن أبي أحيحة ؟ قال : عائشة بنت عثمان بن عفّان . قالت :
فأنت يا بن الصّدّيق ؟ قال : أمّ الهيثم بنت زكريا بن طلحة . فقالت : يا جارية ، هاتي منقلىّ ( تعنى خفّيها ) ، فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها ، فبدأت بعائشة بنت طلحة ، فقالت : فديتك ، كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش ، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك فلم أدر كيف أصفك ، فديتك ، فألقى ثيابك ؛ ففعلت فأقبلت وأدبرت فارتجّ كلّ شئ منها . فقالت لها عزّة : خذي ثوبك . فقالت عائشة :
قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي . فقالت عزّة : وما هي ؟ فديتك ! قالت :
تغنّينى صوتا . فاندفعت تغنّى لحنها في شعر لجميل بن عبد اللَّه بن معمر العذرىّ :
خليلىّ عوجا بالمحلَّة من جمل
وأترابها بين الأصيفر فالحيل
نقف بمغان قد عفا رسمها اليلى
تعاقبها الأيام بالرّيح والوبل